…. أي قراءة للمؤتمر الصحافي الذي عقده الامين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله يتبيّن فيها أن الكلام الذي أطلقه، والمواقف التي حددها، لا تصب في خانة التهدئة كما أشيع قبل المؤتمر الصحافي، بل جاء ما قاله ليضاعف من حجم التساؤلات في البلاد، وبأن شيئاً ما لا يزال غير مفهوم، وعلى وشك أن تقع البلاد فيه.
… قطعاً، كنا نتمنى لو ترفّع السيّد حسن نصرالله وطمأن العباد بأن "حزب الله" سيشارك في معالجة كل المستجدات بروية وهدوء بعيداً من الانفعالية، ولكن الحقيقة انه فاقم الامور، خصوصاً عندما طلب من قيادات الرابع عشر من آذار القيام بمراجعة مواقفها في الفترة الماضية، بما يعني مطالبتها بما يشبه الاعتذار والقبول بكل طروحات "حزب الله" من دون أي مناقشة، وهذا أمر غير معقول على الاطلاق.
… السيّد حسن نصرالله طالب بما وصفه بالتعويض على الضباط الاربعة معنوياً وإعادتهم الى مواقعهم، أقله لمدة سنة، فلماذا مثلاً لم يطالب بإعادة الرئيس السابق اميل لحود الى موقع رئاسة الجمهورية لمدة ثلاث سنوات، عندها يكون التعويض شاملاً ولا لبس فيه.
… إن المطالبة بإعادة الضباط الاربعة الى مواقعهم مسألة غير منطقية ولا مقبولة، إذ أن هؤلاء تم توقيفهم بناء لقرار من المحقق الدولي في المحكمة الدولية، وتم إطلاق سراحهم بناء لطلب من المدعي العام في المحكمة الدولية، بما تصفه مصادر قضائية بعدم اكتمال الدليل لإدانتهم، والقرار الظني لم يصدر بعد لاكتمال قرينة البراءة، فكيف يمكن والحال هذه إعادتهم الى مواقعهم السابقة كتعويض معنوي، علماً، ونحن نشدد هنا، اننا لا نتهم الضباط الاربعة، وهذه ليست مهمتنا، وليس لنا من مآخذ عليهم على الاطلاق، فالقضية بيد المحكمة الدولية، وهي التي تقرر، استناداً الى الادلة التي توصل إليها التحقيق.
… والاهم من كل ذلك مطالبة الامين العام لـ"حزب الله" قيادات الرابع عشر من آذار القيام بمراجعة ذاتية، وهنا نسأله: هل قام فريق 8 آذار بمراجعة ذاتية، خصوصاً عندما تم اجتياح بيروت في السابع من ايار عام 2008؟ وهل رد "حزب الله" على جملة من الاسئلة حول حرب تموز عام 2006؟ علماً ان اسرائيل هي العدو، واللبنانيون تصدوا ببسالة لعدوانها.
صحيح ان حديث السيّد نصرالله كان هادئاً في الشكل خلال المؤتمر، ولكنه كان شديداً في المضمون، وفهم من حديثه وكأنه يدعو الى مواقف حازمة ازاء المحكمة الدولية، وانه يريد الضغط على الحكومة لدفعها الى خطوات قد تضعها في مواجهة المجتمع الدولي، علماً أن ليس من احد في لبنان، حكومة وغير حكومة، يؤيّد الضغط لتغيير القرار الظني، والقضية برمتها موجودة لدى المحكمة الدولية تحت الفصل السابع.
… في مطلق الاحوال، فإن القرار الظني لم يصدر بعد، ولا أحد يستطيع أن يجزم بتفاصيله، وان اتهام أحد لا يعني أبداً إدانته، إذ أن القرار النهائي هو للمحكمة، والتي لا يمكن لها أن تصدر حكماً نهائياً من دون أدلة قاطعة.
من كل ذلك، فإن المطلوب وطنياً اليوم التهدئة بعيداً من التشنجات، وليس من أحد في فريق الرابع عشر من آذار أو غيره في وارد القبول باتهام أحد من دون أدلة دامغة وقرائن قوية، ويكفينا ما قاله الرئيس سعد الحريري بأنه يجب عدم الخوف من الفتنة المذهبية اذا قرر السياسيون منع حدوثها.