أهدر الدم، في اللغة، أي اباحه وسفكه، أو استباح حياة الآخر. وقديما اعتبر الشرع هدر الدم نوعا من أنواع القصاص، مرتبطا حكما بدوافع وظروف. لكنَ عالم اليوم وقف من هذه المسألة موقفين متباينين: فاعتبر فريق أنَ العبور الى عصور التنوير والدولة والقوانين المدنية، قد تجاوز هذا الشكل “العشائري الجائر” فتأبَطت المجتمعات البشرية الدساتير وكتب القانون وأحالت اليها البتَ في خلافات الناس، ايَا يكن موضوعها. في حين لم يترك الأصوليَون المتزمَتون والعشائريون قناعتهم بأنَ هدر الدم هو وحده العقاب “العادل” لمن تسوَل له نفسه الخروج عن الأصول، أدينية كانت أو أخلاقية أو اجتماعية….
في مطلق الأحوال، أن هدر الدم ليس سوى الوجه الآخر لعملية قتل دنيئة، أو حمَام دم تزهق فيه أرواح بريئة لا ذنب لها في أي جرم. والمستغرب اليوم، أن الأختلاف في الرأي أو الموقف السياسي بات يشكَل تهمة، ينبري بعضهم الى الحكم على من يقترفها بأهدار دمه.
ويعمل على تبرير فعلته باللعب على الأوتار الحسَاسة واختلاق قناع مشروع، مثل الأساءة الى الدَين أو الخيانة بفعل التعامل مع العدو. والأكثر غرابة، في هذا المجال، أن حبَ الثأر والقتل والتشفَي عند بعضهم، قاده الى “الترويج” لهذا القصاص الأعور أو استجدائه، وذلك بالتمهيد بحملات التحريض والشحن وسوق الأتهامات على عواهنها من دون أيَ سند. ان من يقوم بهذا الدور، لري ظمأ الكراهية لديه، قذر يحاول ايقاظ فتنة توقع ضحايا، وباتت نواياه مفضوحة.
فأين العهد على صون الدم وعدم الغدر بالأخوة؟ اين اللوحات واللافتات التي تنادي بالديمقراطية والحرية؟ أين القسم العسكري المقدَس بالوطن وأهله وترابه؟ أوليست الدعوة المشبوهة والمغرضة الى صدام أهلي يهدر فيه دم الأخوة، خيانة تستوجب الأعدام؟
أنَ المسؤولية وبقدر ما تقع على من يصدر الأمر الصريح بالقتل، يتحمَلها بالمنسوب نفسه من يوحي به ويشدَ على أيدي الذين ينجزونه ان الدعوة هنا للكفَ عن هذه الهلوسة الدموية ليست موجَهة الى المصاب بداء “الستالينية” والنزوة الهتلرية، فعلم السيكولوجيا واضح في هذا الصدد أذ يعلن صراحة عن استحالة شفاء الموتور، ولا سيَما ذلك ” المتمتَع ” بالذهان الأجرامي، لكنَها تحاول أن تسترعي انتباه الذين يظنَون أنَهم يملكون القدرة على أصدار الأمر بالقتل، من جهة، واولئك الذين ما زالوا معصوبي العقول والأنتباه، من جهة أخرى، الى أن غصن الزيتون الوديع بأمكانه أن ينتج زيت الشفاء، أو يتحوَل الى سنَ يفقأ عين من يريد أن يقصفه.