#dfp #adsense

تحرك سليمان ” وقائي ” قبل وقوع المحظور …

حجم الخط

كتب دافيد عيسى في صحيفة "صدى البلد":

حسناً فعل الرئيس ميشال سليمان عندما دعا أقطاب الحوار الوطني إلى مشاورات طارئة نتيجة الوضع المستجد الذي يهدد الاستقرار العام في البلد. فقد استشعر رئيس الجمهورية خطراً داهماً وساوره قلق عميق ازاء تفاقم التوتر السياسي وبروز مؤشرات متزايدة تنبىء بأزمة حادة اذا لم يصر إلى تداركها في اسرع وقت ممكن وقبل فوات الأوان. ومن المفيد والأجدى ان يكون التحرك وقائياً واستباقياً بدل انتظار ان يقع المحظور وتخرج الأمور عن السيطرة. وليس الا رئيس البلاد من يقوم بمهمة احتواء ومنع الأزمات ومعالجتها بطرق حوارية هادئة. فالرئيس سليمان ليس رئيس ادارة الأزمات وربما من الصعب ان يكون رئيس حل الأزمات لأن الأمر يتعداه في صلاحياته الرئاسية المحدودة وفي ظروف اقليمية ضاغطة ومتوترة. وما يحاوله الرئيس سليمان هو ان يمنع الأزمة قبل ان تصبح واقعاً وان يسحب فتيل التفجير قبل ان يشتعل. اذ لا يجوز ولا يعقل ان نعود إلى الوراء وإلى وضع خطير كان قائماً بكل ما كان يحفل به من تشنج سياسي وشحن طائفي وفرز حاد ، وما كان ينذر به من فتنة داخلية وشر مستطير .ومن غير المقبول ولا المعقول ان يتم التفريط بانجازات ومكتسبات العامين الماضيين والاطاحة بما حققه " اتفاق الدوحة " من رد اعتبار إلى مشروع الدولة ومؤسساتها ومن اعادة ارساء المعادلة الداخلية على توازنات دقيقة واوضاع مستقرة …

ان المسار المقلق للأوضاع منذ اسابيع عدة يدفع باتجاه تفعيل طاولة الحوار الوطني وتوسيع مضمونها لتطرح عليها كافة المسائل والملفات الساخنة والحساسة. وهذا ما كنا دعونا إليه قبل فترة ونكرره بإلحاح الآن ، اذ ان طاولة الحوار تشكل الاطار الوطني والسياسي الأنسب لمعالجة مسائل وموضوعات تستوجب توافقاً وطنياً عاماً. صحيح ان طاولة الحوار معدة اساساً لبحث الاستراتيجية الدفاعية ، ولكن عندما يتعلق الأمر بأوضاع وأمور تهدد الوحدة الوطنية والسلم الاهلي، فإن الاولوية تصبح في مكان آخر ويصبح الدفاع عن الوحدة والاستقرار والعيش المشترك يوازي، لا بل يفوق في أهميته الدفاع عن الارض والحدود …

ويمكن بكل مسؤولية وجدية ، طرح مسألة المحكمة الدولية على طاولة الحوار بدل ابقائها في سوق التداول والتجاذب السياسي والاعلامي ما يتسبب برفع درجة التوتر والعودة إلى اجواء واوضاع يفترض انها اصبحت من الماضي. ويجب طرح الامور بكل وضوح وصراحة بما في ذلك تحديد طريقة التعاطي مع أي قرار ظني يمكن ان يصدر عن المحكمة الدولية، وأخذ كل الاحتمالات والحالات الممكن نشوؤها بعين الاعتبار. فإذا كان اللبنانيون قد اتفقوا واجمعوا على المحكمة الدولية والتعاون معها كما جاء في البيان الوزاري وفي مقررات الحوار الوطني ، فإن تنفيذ هذا الالتزام بالتعاون يفرض منهجية عمل وتعاط ايجابي مع اي قرار يصدر عن المحكمة بشكل متأن ومدروس. فيتم التأكد أولاً من انه غير خاضع لـ " تسييس وتوظيف " في اي اتجاه، ومن انه يحتوي على القرائن والادلة القاطعة والحاسمة التي لا تترك مجالاً للشك والتساؤل خصوصاً وان تجربة التحقيق الدولي في السنوات الماضية كانت غير موفقة و شابتها شوائب واعترتها ثغرات ووضعت نقاط استفهام كثيرة في عقول اللبنانيين. وبعد الوقوف على مضمون القرار بعد صدوره والتأكد من سلامة مضمونه ومطابقته للمواصفات القانونية الدولية ، يتم التعاطي مع مفاعيله بعد عزله عن الوضع الداخلي بحيث لا يفسح في المجال أمام استغلال وتوظيف سياسي وتصفية حسابات، كما لا يكون ثمة امكانية لتحويله مادة مشتعلة لبث الفرقة والفتنة.

من حق حزب الله ان يتوجس وان تكون لديه هواجس وتساؤلات بعد تجارب ونماذج السنوات الماضية المعيبة وغير المقبولة، ولكن لا يحق له ان يذهب في هواجسه إلى حد اثارة مخاوف اللبنانيين و " افزاعهم "، وان يستبق القرار الظني ويبني احكاماً سياسية وقرارات " مصيرية " على فرضيات غير مؤكدة وعلى تقديرات وتكهنات غير واقعية، كما لا يحق لحزب الله ان يصل بموقفه إلى حد الطعن بالمحكمة الدولية وصدقيتها وتصنيفها مشروعاً اسرائيلياً، لأنه في ذلك يخرج على بيان حكومة الوحدة الوطنية التي هو جزء منها وشريك فيها، ويخرج على توصيات ومقررات الحوار الوطني التي اتخذت بإجماع المتحاورين … من حق حزب الله ان يطرح هواجسه على بساط البحث والمناقشة وعلى طاولة الحوار، ووضع الجميع أمام مسؤولياتهم لأن احداً لا يريد محكمة دولية مسيّسة و لا يريد قراراً ظنياً متحاملاً ومتجنياً ومفبركاً، ولأن السيد حسن نصر الله فيما ذهب اليه من خطاب تحذيري وقرع جرس الانذار المبكر انما يريد احداث صدمة ايجابية لاحتواء ومعالجة ما هو آت قبل الوصول إلى الصدمة السلبية حيث لا يعود ممكناً لا العلاج ولا احتواء التداعيات …

ويحق لقوى 14 آذار ولتيار المستقبل خصوصاً ان يعبّروا عن قلق ازاء هذه اللغة التحذيرية وان يستشعروا فيها تهديداً مبطناً، وان يخافوا على مستقبل المحكمة الدولية ودورها واهدافها التي منها معاقبة الجناة حتى لا تحصل اغتيالات جديدة. ولكن لا يحق لـ 14 آذار ان تتجاهل واقع ان لدى حزب الله هواجس وان لا تعمل على تفهم هذه الهواجس وما هو محق ومنطقي فيها. وما هو حاصل ان قوى 14 آذار تذهب بعيداً في هواجسها إلى درجة الترويج لانقلاب آت ويعد له حزب الله على المحكمة وعلى الحكومة في آن.

المطلوب تسريع عمل ووتيرة الحوار الوطني وتوسيع مضمونه ونقل ملف المحكمة الدولية اليه لإعادة تركيز موقف وطني موحد ازاءه، وايقاف هذه الموجة من التوتر غير المبرر والقلق غير المفهوم التي تكاد ان تصبح نوعا من " هستيريا جماعية ". واذا كان الجهد الاكبر مطلوب ومنتظر من الطرفين المعنيين مباشرة بمضمون وتداعيات القرار الظني المفترض صدوره ، وهما تيار المساتقبل وحزب الله، لدرء خطر فتنة سنية-شيعية وخنقها في مهدها، فإن ذلك لا يعفي الاطراف الاخرى من المسؤولية لا سيما اطراف الساحة المسيحية التي ستكون متضررة من اي فتنة وستصاب بشظاياها. فلا يعقل ان تنخرط قيادات مسيحية في سيناريوهات و " تخيلات " غير واقعية على الاطلاق مثلما فعل العماد ميشال عون مما سبب عملية تأجيج للمشاعر واستحضار اوضاع مر عليها الزمن والتحريض على قلب الطاولة وتغيير قواعد اللعبة.

ففي اوضاع صعبة ودقيقة كالتي نعيشها ويجتازها لبنان، لا مكان " للتخيلات " و لحسابات خاصة وضيقة ولا لتصفية حسابات شخصية على حساب البلد واستقراره وأمنه، وليس الوقت وقت مماحكات وتحسين مواقع وشروط ، وانما الوقت وقت تبصرّ وتأمل وترفع ومراجعة للذات والضمير …

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل