لأن الخارج هو الذي يقرّب أو يباعد بين اللبنانيين
لا جدوى لأي مراجعة والمطلوب طي صفحة وفتح أخرى
ليت الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله دعا قوى 14 آذار الى طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة عوض ان يدعوها الى مراجعة مواقفها، لان المراجعة تعني ان اخطاء وقعت في مسيرتها السياسية وتحتاج الى تصحيح، وهو ما جعل هذه القوى تدعو قوى 8 آذار بدورها الى مراجعة مواقفها هي ايضا لانها ارتكبت اخطاء في مسيرتها.
لذلك لم تطلب سوريا من لبنان مراجعة اخطائه لانها اعتبرت ان الاخطاء حصلت من الجانبين اللبناني والسوري، وهي اخطاء تمحى بطي الصفحة وفتح صفحة جديدة وهو ما يحصل حاليا ليس من خلال اعادة النظر في بعض الاتفاقات المعقودة بين البلدين فحسب بل بتغيير السلوك والممارسة، وهو الاساس في جعل العلاقات ممتازة ومميزة والعكس هو الصحيح. فاذا كان كل طرف يريد ان يسجل على الطرف الآخر اخطاءه، فانه يصعب عندئذ التوصل الى اتفاق وتفاهم. فقوى 14 آذار تعتبر انها كانت على حق في مواقفها عندما اصرت عن المطالبة بانسحاب القوات السورية من كل لبنان تنفيذا لاتفاق الطائف وللقرار 1559 وذلك بهدف استعادة السيادة والاستقلال والحرية، وان قوى 8 آذار كانت على خطأ عندما عارضت ذلك وطالبت ببقاء هذه القوات. وان قوى 14 آذار كانت على حق عندما طالبت بتشكيل لجنة تحقيق دولية وبانشاء محكمة خاصة بلبنان لمعرفة قتلة الرئيس الحريري ورفاقه ومن ارتكب جرائم مماثلة اودت بحياة خيرة اللبنانيين، لان الوضع السياسي والامني في لبنان لا يسمح للقضاء اللبناني بان يقوم بهذه المهمة الصعبة جدا. وقوى 8 آذار كانت على خطأ عندما عارضت ذلك. وان قوى 14 آذار كانت على حق عندما وافقت على النظام الاساسي للمحكمة ذات الطابع الدولي، وان قوى 8 آذار كانت على خطأ عندما عارضت ذلك وقررت سحب وزرائها من الحكومة. وان قوى 14 آذار كانت على حق عندما قالت إن الاكثرية النيابية التي تنبثق من انتخابات نيابية حرة هي التي ينبغي ان تحكم والاقلية تعارض عملا بالنظام الديموقراطي البرلماني، لكن قوى 8 آذار كانت على خطأ عندما نادت بالديموقراطية التوافقية لتجعل ما يسمى حكومة "وحدة وطنية" تضم الاضداد وممثلين عن الاكثرية والاقلية معا لتصبح حكومة تعطيل وليست حكومة انتاج، وهو ما تأكد حتى الآن من خلال تشكيل مثل هذه الحكومات. وقوى 14 آذار كانت على حق عندما دعت قوى 8 آذار الى الاحتكام الى مجلس النواب في الخلافات القائمة بينهما بما فيه الخلاف على وضع الحكومة وهل ظلت ميثاقية وشرعية بعد انسحاب وزراء 8 آذار منها ام لا، لكن قوى 8 آذار رفضت الاحتكام الى مجلس النواب بحجة ان الاكثرية المؤيدة للحكومة مضمونة، ففضلت الاحتكام الى الشارع، فكانت التظاهرات والمسيرات والاعتصامات التي الحقت ضررا كبيرا بمصالح الوطن والمواطن ولم تستطع اسقاط الحكومة.
وبعدما فازت قوى 14 آذار مرة اخرى بالاكثرية النيابية في انتخابات 2009، رفضت قوى 8 آذار التي فازت بالاقلية الاعتراف بهذه النتائج ووصفت الاكثرية بانها نيابية وليست شعبية… واصرت على ان تشارك في تشكيل الحكومة كي لا تستأثر الاكثرية في اتخاذ القرارات ولاسيما المهمة منها. وكانت قد فعلت ذلك مع الاكثرية النيابية التي انبثقت من انتخابات 2005 وادى اصرارها على تشكيل حكومة وحدة وطنية او حكومة "الشراكة الوطنية" الى احداث ازمة وزارية مفتوحة على كل الاحتمالات، ولم تخرج البلاد منها الا بعد حوادث 7 ايار وانعقاد مؤتمر الدوحة.
اما الحكومة الحالية برئاسة الرئيس سعد الحريري فقد استطاعت ان تطوي صفحة الماضي مع سوريا وتفتح صفحة جديدة بدأت بتبادل التمثيل الديبلوماسي بين سوريا ولبنان، وهو ما لم يحصل منذ ان حصل البلدان على استقلالهما اي ما يقارب 57 سنة، وباعادة النظر في الاتفاقات المعقودة وبتشكيل لجان تنظر في ترسيم الحدود وفي اجراءات ضبطها لمكافحة كل شكل من اشكال التهريب، بما فيها الاسلحة، توصلا الى النظر في وضع اللبنانيين المعتقلين في السجون السورية وفي ازالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وضبطه في داخلها، ودعم قيام المحكمة الدولية، وهي مطالب التقت عليها قوى 8 و14 آذار في طاولة الحوار التي انعقدت عام 2006 برئاسة الرئيس نبيه بري.
ما هي المراجعة المطلوبة من قوى 14 آذار إذاً؟ فاذا كان المقصود ان قوى 8 آذار راهنت على العلاقات مع سوريا وربحت الرهان فيما قوى 14 آذار خسرت الرهان على غير ذلك، فهو رأي غير مقبول، لان العلاقات بين لبنان وسوريا قبل 2005 كانت شيئا وكانت قوى 8 آذار قابلة بها، رغم ان سوريا نفسها اعترفت باخطاء ارتكبت في الممارسة، والعلاقات التي فتحت لها صفحة جديدة مع الحكومة الحالية شيء آخر. اي ان قوى 8 آذار هي مع علاقات لبنانية – سورية كما كانت قبل 2005، فيما قوى 14 آذار هي مع علاقات جديدة بدأ التأسيس لها بين البلدين مع الحكومة الحالية لتصبح جيدة.
وبصرف النظر عن رأي هذا او ذاك، فالواقع ان الذي يجعل طرفا يراجع سير خطه السياسي فيعدله او يستمر فيه، هي الدول التي تواجه هذا الخط او ذاك. فعندما كان في لبنان طرف مع السياسة الفرنسية وطرف آخر مع السياسة البريطانية انتهى الامر ببقاء كل طرف في خطه حتى بعد انتصار الخط البريطاني. و عندما تفاهمت الولايات المتحدة الاميركية مع الرئيس عبد الناصر حول الوضع في لبنان، اضطر الرئيس كميل شمعون، وهو في الخط السياسي البريطاني، الى الموافقة على انتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية وهو ما لم يفعله العميد ريمون اده، لانه كان خارج الاصطفاف الخارجي. وعندما اختلف الرئيس حافظ الاسد مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات على الوضع في لبنان، وقد تجلى هذا الخلاف في الانتخابات التي اسفرت عن فوز الرئيس الياس سركيس بالرئاسة، اختلطت الاوراق وتغيرت التحالفات بعد تلك الانتخابات، في حين ان من كان في خط سياسي في عهد الرئيس الهراوي وبعده في عهد الرئيس لحود ظل في خطه المناهض للخط الآخر اي بين من هم مع الوصاية السورية على لبنان ومن هم ضد استمرار هذه الوصاية.
واليوم، فان التقارب السوري – السعودي كلما تقدم تقدم معه التقارب بين 14 آذار وسوريا، وبالتالي مع 8 آذار، وكلما عاد التباعد بين الدولتين انعكس تباعدا بين الخطين السياسيين في لبنان.
هذه هي الحقيقة في لبنان على مر التاريخ، فما من طرف لبناني ربح على طرف آخر، او تفاهم طرف مع طرف الا وكان الخارج هو الذي يقرب وهو الذي يباعد. لذلك فلا حاجة الى مراجعة يقوم بها اي طرف، او رجوع الى بيت الطاعة بشروط او بدون شروط، انما طي صفحة وفتح صفحة اذا كان الخارج، وبكل اسف، يريد ذلك…