لا ينتظر المسيحيون اللبنانيون المنخرطون او المؤيدون او الانصار للاحزاب والتيارات والقوى السياسية وكذلك الذين لا ينتمون الى اي اطار سياسي او تنظيمي او حزبي، من هذه القوى اي حياد لها عند اي هبة كبيرة او صغيرة من شأنها ان تعيد ايقاظ ملامح الخوف من فتنة سنية – شيعية، على غرار الخوف الزاحف مجددا الآن في مسألة القرار الظني للمحكمة الخاصة بلبنان.
فهي مسألة تتصل ايضا بالمبدئيات، وليس فقط بالاصول القانونية والقضائية الصارمة، ناهيك عن ان القرار الاتهامي "المجهول" اصولا، سيشكل رأس جبل الجليد "الافتراضي" في كشف معظم حلقات المسلسل الجهنمي الذي اودى بقافلة من الشهداء المسلمين والمسيحيين في حرب الاغتيالات.
لذا، يبدو ضربا من ضروب التقية في الحد الاقصى والسذاجة اللاواقعية في الحد الادنى، كل "تنظير" حول تغييرات محتملة في الادوار المسيحية من الازمة الطالعة.
غير ان ما ينتظره مجموع المسيحيين وما يحتاج اليه المسلمون، بشدة استثنائية موصوفة هذه المرة، لا ان تبارح اي قوة سياسية مسيحية موقعها السياسي والمبدئي وهو امر مستحيل في كل الاحوال، وانما ان تقلع سائر القوى المسيحية عن وهم "الاستثمار" في الازمة ذات الطابع المذهبي وان تصيغ لنفسها لمرة على الاقل دور كاسحة الالغام في اسقاط لثقافة العنف الزاحفة سواء بسواء مع ازمة يرجح انها لن تشبه اي ازمة سابقة، بل ربما تفوق بخطورتها ما يثار حولها من "سيناريوات".
ما يحتم اثارة هذه الناحية عند مطالع المشهد الشديد التأزم، هو ان الجولة الاولى من "التعاملات" المسيحية مع الازمة شكلت صدمة بكل المعايير لكل الذين ظنوا يوما ان القوى المسيحية تحديدا اكتسبت على الاقل نضجا كافيا لرسم خطوط حمر معروفة من شأنها استئصال ثقافة العنف المدمرة لدى المسيحيين والمسلمين سواء بسواء، بما ينسحب على امان المجموعات المسيحية في ما بينها، ويساهم في توفير المناخ الآمن ايضا للمجموعات المسلمة في ما بينها. وهي خطوط حمر الزامية وواجبة وليست اختيارية في كل الاحوال، الى ان "يغدو" للبنان دولة بكل المواصفات والمعايير الحقيقية التي تزيل نهائيا اي تصنيف طائفي للامان والاستقرار والسلم الاهلي والنظام السياسي والى ان تثبت "الدولة المدنية" قدرتها الحاسمة على طمأنة الناس الى ان مصير لبنان لم يعد رهن اي هبة طائفية او مذهبية حاملة في كل مرة لاعظم الشرور.
هذه الموجة الاولى للتعامل المسيحي مع الازمة تثير بدورها خوفا مماثلا تماما لذلك الذي يتصاعد يوميا على الضفة المذهبية، بدليل ان شقا من القوى المسيحية تقدم بسرعة هائلة الى واجهة المتهمين بالاستقواء فالتحريض على استجرار الفتنة المذهبية الى "المناطق المسيحية" نفسها، وشقا آخر تقدم بسرعة مماثلة صفوف المتهمين بالتحريض على اذكاء الخلاف السني – الشيعي.
ولئلا يبقى الامر في اطار التعميم والعموميات، فان احدا لا يساوره وهم تحميل هذه القوى مسؤولية ادوار تفوق حجمها وقدرتها في ميزان القوى الداخلي والخارجي، خصوصا في ضوء عودة كل الايحاءات المرتبطة بتجربة 7 ايار واتفاق الدوحة والاستعانة بالرعاية السورية – السعودية – القطرية لمنع انزلاق لبنان مجددا الى متاهة "خريف الانهيار". ولكن وفي المقابل، تمتلك القوى المسيحية حدا ادنى واقعيا من المتغيرات البديهية من شأنه ان يلزمها اعتماد خطاب سياسي مختلف عله يساهم في تنقية ابشع الصور الغرائزية والعصبية التي بدأ ينزلق اليها الخطاب السياسي في الآونة الاخيرة.
واذا كان البعض يستهين بهذا الجانب من الازمة، فمعنى ذلك اما انه يقبل بخطورة قصوى على خداع "التوظيف" العقيم والمدمر في الازمة، واما انه قاصر قصورا قاتلا عن معرفة الكثير من طبائع هذه الازمة ومكوناتها على مستوى شركائه المسلمين.
لقد بلغ بعض مستويات الجنوح والهبوط السياسي في الايام الاخيرة حدا مقززا في التعبئة والشحن، واقبل بعض "الكومبارس" السياسي على الازمة بمنطق حربي ميليشيوي وتخويني وتحريضي ينم عن استحضار انتحاري لثقافة العنف الجماعي والفردي. ولا دور سيبقى للقوى المسيحية في الازمات والحلول والتسويات وصنع المصير الوطني ما لم يبدأ من هنا، ومن خطاب مغاير بات يشكل اقصى الحاجة للمسيحيين والمسلمين لاستئصال هذه الآفة المستشرية بذاتها، وفي معزل عن الهجوم الاستباقي على القرار الاتهامي او اي تطور آخر سواه.