#adsense

العبور إلى الدولة.. بالتأسيس لـ”المستقبل”

حجم الخط

"الاستئناس برؤية عاقلة فهمت الواقع اللبناني" في مواجهة التفسير التآمري للتاريخ
العبور إلى الدولة.. بالتأسيس لـ"المستقبل"

يشكّل المؤتمر التأسيسيّ لـ"تيّار المستقبل" محطة نضاليّة تعني الحركة الإستقلاليّة والإستقراريّة اللبنانيّة في مجموعها، أي حركة الرابع عشر من آذار، ذلك أنّ الجديد الذي يقدّمه هذا التيّار على صعيد تاريخ التجربة الحزبية اللبنانية يرتبط عضويّاً بإدراك فكريّ وسياسيّ وتنظيميّ لطبيعة المرحلة الإنتقاليّة للتجربة الكيانية والميثاقية والمجتمعية اللبنانية ما بعد الإستقلال الثاني، والتي وضعت لها قوى 14 آذار عنواناً برنامجياً واضحاً، انتزعت على أساسه الأكثريّة النيابية للمرة الثانية على التوالي قبل عام، وهو عنوان "العبور إلى الدولة". هذا العبور هو مرحلة تاريخية إنتقاليّة كاملة يجتازها اللبنانيّون، وهذا ما يبدو أنّ "تيّار المستقبل" يفهمه بشكل أساسيّ، أيضاً لكونه التيّار الذي تبلور شكله التنظيميّ في هذه المرحلة بالتحديد، ولأنّه عرف كيف يستعين سواء في مساره السياسيّ أو من خلال تبلوره السياسيّ أو في علاقته مع البيئات الأهليّة بفضيلة التنوّع. استعان بالتنوّع على التعقيد، وبالتنوّع على التبسيط. اعتنق التنوّع ليبراليّة تعاقديّة في السياسة والإقتصاد والثقافة. ربط التنوّع اللبنانيّ بالإعتدال العربيّ. عرف أنّ هذا الرّبط يحتاج إلى توازن دقيق وأنّ هذا التوازن الدقيق لا يؤمّنه إلا هو.

ويعني العبور إلى الدولة سيادة أحكام الدستور اللبنانيّ داخل المؤسّسات الدستوريّة وفي ما بينها، وسيادة حكم القانون اللبنانيّ على جميع أراضي الجمهوريّة اللبنانيّة، وأن تكون لنا دولة لها ما للدول الأخرى من حقوق في المجتمع الدولي ومن زاوية القانون الدولي وعليها ما على الدول الأخرى من واجبات، أمّا في ما عنى العلاقات مع الدول العربيّة الأخرى، فتكون الدولة اللبنانية دولة عندما توازن بين ثلاثية "السيادة"، و"التضامن"، و"المصلحة"، وهذه الثلاثية كانت حاضرة بالتحديد في المؤتمر التأسيسيّ لـ"تيّار المستقبل"، وخصوصاً في الكلمة الإفتتاحية لرئيس التيّار، رئيس الحكومة سعد الحريري.

ومن فرادة "تيّار المستقبل" بوصفه علامة تنظيمية فارقة على هذه المرحلة الإنتقاليّة، مرحلة "العبور إلى الدولة"، أنّه لا يمكن إختزاله في تصنيف واحد، ذلك أنّ كل تصنيف دوغمائيّ متسرّع سرعان ما سيصطدم بأكثر من قرينة أو حجّة مضادة. الإسقاطات لا تجدي نفعاً من هذه الناحية، حتى لو تزيّنت ببعض المقولات المجتزأة من علم السياسة أو الإجتماع أو الإناسة. ليسَ ذلك لأنّه لا ينبغي النظر إلى التجربة التنظيميّة والأهليّة لهذا التيّار بالإرتكاز إلى هذه العلوم الإنسانية والإجتماعيّة، وإنّما لأنّ شرط النظر هو وزن الأمور بعين التطوّر التاريخيّ، بعين التجربة الحزبيّة اللبنانيّة، والتجربة الجبهويّة الإستقلاليّة اللبنانيّة.

ومن زاوية التجربة الحزبيّة اللبنانيّة، بالمستطاع القول أنّ ثمّة ثلاث تجارب تنظيميّة حيويّة جماهيريّة لها أن تفهم على أساس المقارنة والمقابلة في ما بينها: وهي تجارب "القوّات اللبنانيّة" و"حزب الله" و"تيّار المستقبل". لم تنجز هذه القراءة المقارنة الثلاثية بعد، مع أنّ الشروع فيها ضروريّ. في كلّ من هذه التجارب الثلاث، ثمّة مسارات تحديثيّة مختلفة تطرح نفسها، وتتعلّق أساساً بثلاثة أقسام من الطبقة الوسطى اللبنانيّة.

"القوّات اللبنانيّة" تجربة تنظيم عسكريّ وجماهيريّ سلّم سلاحه بعد الحرب، وتعرّض للقمع المنهجيّ في إثر ذلك، وخاض مرحلة نضال سرّي سلميّ في ظلّ صمود أسطوريّ للقائد في سجنه، ثم أعاد التنظيم تأسيس نفسه في إطار عمل جبهويّ إستقلاليّ، وعلى أساس النضال الشرعيّ السلميّ، وإنطلاقاً من مراجعة حقيقية جذّرت التمسّك بالسلم الأهليّ.

"حزب الله" هو تنظيم عسكريّ وجماهيريّ لم يسلّم سلاحه بعد الحرب، بل احتكر العمل العسكريّ ضدّ العدوّ الإسرائيليّ بعدها، وتضخّمت ترسانته العسكريّة بعد الإنسحاب الإسرائيليّ، ثم بعد الحرب الإسرائيليّة الأخيرة. يجمع بين العمل السرّي والعمل العلنيّ، بين العمل الشرعيّ (أي وفقاً للقوانين المرعيّة الإجراء) وبين العمل اللاشرعيّ. يؤدّي ذلك عادة إلى مواقف ملتبسة من مسألة السلم الأهليّ.

"تيّار المستقبل" هو تنظيم سياسيّ لا يعرف إلا شكلاً واحداً للنضال: النضال الشرعيّ السلميّ. أمّا التمسّك بالسلم الأهليّ فيشكّل الجوهر "العقائديّ" و"العمليّ" لهذا التيّار. لأجل ذلك فإنّ وجود هذا التيّار كاف بحدّ ذاته للرّد على دعاة التهويل بالفتنة. لسان حال "تيّار المستقبل" يقول: لا فتنة بدوني، وأنا نقيض الفتنة، في طروحاتي كما في تركيبتي، في علاقاتي كما في مصالحي.

أمّا على صعيد العلاقة بين "حزب الله" من جهة، و"تيّار المستقبل" من جهة ثانية، بالبيئة المذهبيّة الإرتكازيّة لكل منهما. فالفارق شاسع بين مسارين "تحديثيين".

المسار الذي اتبعه "حزب الله" أراد تحويل "مذهب" إلى "طائفة" و"طائفة" إلى "إثنية"، وعمل على ربط "الطائفة الإثنية" بأيديولوجيا دينيّة مذهبيّة هي تلك المتبعة في إيران، بل بالتوظيفات الأكثر راديكالية وتعسكراً لهذه الأيديولوجيّة، أي تلك المرتبطة بمحمود أحمدي نجاد والحرس الثوريّ. على هذا الأساس يطبّق "حزب الله" نظريّته في "أشرف الناس" المتناقضة مع كثير من أحكام الدستور اللبنانيّ، والتي لا تقلّ خطورة عن الإرتباط المباشر لـ"حزب الله" بنظريّة "ولاية الفقيه" المقرّة دستوريّاً، في إيران لا في لبنان. مسار "حزب الله" إذاً: وكالة غير قابلة للعزل له على الشيعة في لبنان. ووكالة غير قابلة للعزل للوليّ الفقيه في إيران على "حزب الله" اللبنانيّ. وقبل كل شيء تتخذ السلطة الكاريزميّة لزعيم الحزب بعداً غير مسبوق في التاريخ اللبناني.

أمّا المسار الذي يتبعه "تيّار المستقبل" فمعاكس تماماً. يعبّر عنه ما قاله الرئيس الحريري في إفتتاح المؤتمر: "المدى الذي يمثّله السنة في لبنان وفي هذه المنطقة من العالم لن تختصر في حزب أو تيّار أو حركة". ثمّة دلالات عديدة "تتساكن" في هذا التأكيد. منها طبعاً أنّ "تيار المستقبل لن يحمل هوية مذهبية أو طائفية أو مناطقية"، أي أنّه لن يسهم في تحويل "السنّة" إلى "طائفة مغلقة"، بل على العكس تماماً، هو تيّار مؤمن بالمناصفة الإسلامية المسيحية، وبالوجود الإسلاميّ المسيحيّ للبنان.

ويتقاطع ذلك مع إبتعاد عن أي "تصنيم عقائديّ" أو أي "تصنيم رمزيّ". فمن أهمّ ما ورد في "التقرير السياسيّ" في المؤتمر هو التأكيد بأن استحضار مسيرة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ليست "من باب التقديس بنصوص دوّنها أو لرؤية سجّلها أو لأداء قام به" إنّما "من باب الاستئناس برؤية عاقلة فهمت الواقع اللبناني بتركيباته وتعقيداته".

هنا أيضاً نحن أمام جملة مفتاحية. ففي لبنان اليوم، ثمّة مدرسة تريد "الإستئناس برؤية عاقلة فهمت الواقع اللبناني بتركيباته وتعقيداته" في مقابل مدرسة تتعامل مع تركيبات وتعقيدات الواقع اللبنانيّ على أنّها "مؤامرات"، ولا ترتئي من سبيل لمواجهة المؤامرات الإفتراضية الوهميّة إلا إبتداع مؤامرات مضادة تهويليّة أحياناً، وميدانية أحياناً أخرى، وفي ظلّ معادلة زعيم كاريزمي استثنائيّ يملي على الآخرين نقداً ذاتيّاً إجبارياً، فيما يعفي حزبه، وحلفاءه، من أي نقد ذاتيّ، في حين أن نقد التفسير التآمري للأشياء هو الشرط الأوّلي لأي نقد.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل