“المحرر المحلي”.. وتقرير ديرشبيغل!!

في 27 أيار من العام 2009 نشرت احدى الصحف المحلية سيناريو كاملاً متكاملاً اعتبرت أنه "المؤامرة" التي تحاك ضد حزب الله، بل واعتبرت أنها تقدم اكتشافاً "عبقرياً" بعدما جعلت التقرير الذي أعده إيريك فولاث ونشره في صحيفة ديرشبيغل، لا تتضح أبداً صورة ما يحدث اليوم إلا إذا تتبعنا خيوط الحملة الأولى التي قادها الحزب والصحف المقرّبة منه، ويومها كان التقرير "مؤامرة انتخابية" على حزب الله لأن فريق 14 آذار خائف من الخسارة، إلا أن نتائج الانتخابات التي صدقت الحزب السيناريوات التي رسمتها الصحف الموالية له عن اكتساحه للانتخابات، جاءت مخيّبة جداً لآماله، فقد أكدت صناديق الاقتراع يومها أن اللبنانيين متمسكين بعنوان كبير حرية وسيادة واستقلال لبنان.

يومها نشرت الصحيفة ما حرفيته (نقلاً عن موقع المقاومة الإسلامية في لبنان): "ما بين 24 كانون الأول 2008 و23 أيار 2009، فاصل زمني ممتد على خمسة أشهر بالتمام والكمال. وما بين التاريخين "فبركة استخباراتية" واضحة لرسم خارطة طريق اتهامية لــ"حزب الله" باغتيال الرئيس رفيق الحريري. وما بين التاريخين "فضيحة كبرى لمجلة كانت موصوفة بأنها موزونة وذات صدقية"، وتقصت الصحيفة خطى هذه الفضيحة الكبيرة لتقدّم "لقطة" للبنانيين لتقنعهم بزيف هذا التقرير وكذبه وبهتانه وسخافته، فـ"شو عدا ما بدا"، حتى أصبحت الاتصالات وتقرير ديرشبيغل هما أساس القرار الظني الذي لا يعرف اللبنانيون ماهية اتهامه بعد…

ويومها أيضاً كانت "اللقطة" التي قدمت وجبة دسمة لتنسف ما كتبه الصحافي الألماني وترقيته إلى مستوى الفضيحة، وسبب هذه الفضيحة تقرير نشر قبل أشهر خمسة في 24 كانون الأول 2008، ونشرت الصحيفة اياها ما حرفيته: "في 24 كانون الأول 2008 وقبل أكثر من شهرين من انطلاق المحكمة الخاصة بلبنان في آذار الماضي نشر موقع "الحقيقة" الذي يديره المعارض السوري نزار نيوف "معلومات" نسبها إلى مسؤول قانوني كبير في عداد الطاقم المؤسس للمحكمة المذكورة, وتسلط أصابع الاتهام إلى حزب الله باغتيال الحريري (…) المثير في تقرير "ديرشبيغل" انه استنسخ رواية نزار نيوف المنشورة قبل خمسة اشهر، مستخدماً المفردات والتعابير ذاتها، من "التراجيديا الشكسبيرية"، إلى "دوائر الجحيم" الأولى والثانية والثالثة، إلى التواريخ، إلى الأسماء… كلها نقلتها الصيغة الألمانية بصورة حرفية تامة".

نشرت تقرير نيوف كاملاً، للتدليل على عدم صدقية ديرشبيغل ورواية تقريرها، ولم يهتم اللبنانيون كثيراً لما نُقلَ من معلومات في تقرير ديرشبيغل، يومها اعتبروا "الخبث الإسرائيلي" يدس وقيعة بين اللبنانيين، تحديداً بين السُنة والشيعة، في زمن انتخابات نيابية كان العصب المذهبي فيها مشدوداً "عالآخر"، بل أكثر من هذا، كان التصويت في بيروت رداً صارخاً على 7 أيار، بصدق شديد، بهذه العقلية ذهبنا إلى صناديق الاقتراع، هذه عادة البيارتة، فصمتهم لا يعني أبداً الرضوخ والاستسلام..

ومن غرائب ما نُشر في هذه المقالة الطويلة العريضة المنسوبة إلى مجهول هو "المحرر المحلي" سيناريو دقيق جداً يتطابق بحرفيته مع كل كلمة قالها أمين عام حزب الله سواء في خطابه الأسبوع الماضي، أو في مؤتمره الصحافي أول أمس، وننقل عن الصحيفة ما حرفيته: "ويشير تقرير نيوف إلى "أن المعلومات المذكورة وضعت أمام مرجع امني – ديبلوماسي فرنسي كبير فأعرب عن شكوكه العميقة في صحة هذه المعلومات"، مشيراً إلى "أنها تحتوي على مغالطات غير منطقية، وتكشف عن أن مَن يقف وراءها يجهل تماماً آلية عمل "حزب الله" على الصعيدين الأمني والعسكري"، وذكر المصدر في هذا السياق الملاحظات والمعلومات الآتية: 1- إن المعلومات المذكورة توحي بأن عناصر حزب الله يتصرفون بطريقة عشوائية وحمقاء وغير انضباطية، مثل أي تنظيم آخر. وهذا يتناقض كلياً مع ما يعرفه الجميع عن انضباطيته الصارمة (…) 2- أصبح من الثابت والمعروف في تحقيقات «لجنة التحقيق الدولية» أن الذين اشتروا الأرقام الهاتفية المسبقة الدفع من طرابلس ينتمون لجهات أصولية سنية، وليس إلى حزب الله. 3- أصبح من الثابت لدى لجنة التحقيق الدولية أن سيارة الميتسوبيشي فجّرت من قبل شخص انتحاري ينتمي لإحدى الحركات الأصولية السنية وليس الشيعية، وينحدر من إحدى الدول العربية ذات المناخ الجاف، قد تكون السعودية أو العراق أو الأردن، وفق ما كشفت عنه التحليلات المخبرية لحمض (DNA) التي أجريت على بقايا أشلائه".

ولنقرأ جيداً ما نقلته الصحيفة المحلية عن نيوف الذي نقلت عنه ديرشبيغل، الذي نسب معلوماته إلى "مجهول" هو مصدر فرنسي أمني – ديبلوماسي: "(…) وكشف المصدر أيضاً عن أن اتهام حزب الله رسمياً بالوقوف وراء جريمة اغتيال الحريري ستسبقها عملية "كبيرة لتلميع" وجه شعبة المعلومات في وزارة الداخلية اللبنانية، ورئيسها العقيد وسام الحسن. وذلك بشن حملة اعتقالات واسعة خلال الأشهر القليلة المقبلة ضد عناصر لبنانية، بعضها من الرموز السنية المشهود لها بتاريخها الوطني، بتهمة علاقتها مع الموساد، ومساعدة إسرائيل ضد حزب الله.

وهو ما سيدفع الحزب المذكور والرأي العام إلى تغيير وجهة نظره الراهنة بشأن شعبة المعلومات، ومن ثم تثمين دورها الوطني. وسيكون من شأن ذلك إحراج حزب الله لاحقاً وعدم قدرته على التشكيك بشعبة المعلومات حين تعمد إلى اتهامه باغتيال الحريري من خلال المعلومات التي قدّمتها إلى دانيال بلمار".

وجواباً على سؤال، قال المصدر "إن شعبة المعلومات تعرف منذ سنوات عديدة العشرات من اللبنانيين المتعاملين مع الموساد، وكانت تغض النظر عن نشاطاتهم واتصالاتهم مع إسرائيل. ولن يضيرها أن تحرق البعض منهم بطريقة إعلامية استعراضية إذا كان الغرض من ذلك تبييض صفحتها وإعادة الاعتبار لسمعتها أمام قسم واسع من الرأي العام اللبناني وتحقيق الهدف الأساسي المتمثل باتهام حزب الله باغتيال الحريري من دون أن يستطيع الحزب التشكيك بنزاهتها ووطنيتها"!!

في ضوء هذه التوقعات منذ أواخر العام 2008 ألا يتضح لنا علام يستند السيد حسن نصر الله في قوله أن القرار كتب عام 2008، أو أسئلته عن فرع المعلومات والعميل شربل قزي، والأجوبة التي قال أنه يعرفها…

مَن يُصدّق أن ما يبني عليه حزب الله كل اتهاماته على تقرير اتهمته الصحف الموالية له واعتبرته مشبوهاً اقتبسه حرفياً أيريك فولاث ونشره في مجلة ديرشبيغل، إنما ما لم تقله لنا الصحيفة مَن ترجم التقرير المنشور باللغة العربية على موقع بالكاد نعرف اسمه الى اللغة الألمانية، ومَن دلّ إيريك فولاث على موقع نزار نيوف، والأغرب كيف برأ "المصدر الفرنسي المجهول لمعارض سوري حزب الله ناقضاً التقرير ناسباً التهمة إلى مجموعة الـ 13، ومَن سيفسّر لنا هذا التطابق لتطبيق السيناريو ما بين كلام المصدر الفرنسي وكلام أمين عام حزب الله عن عنوان الاتصالات، وشعبة فرع المعلومات!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل