#adsense

في سجنه نسج حرية لبنان… 11 عاما من البطولة والمسيرة مستمرة

حجم الخط

لم يكن مطلع الربع الاخير من القرن العشرين ليمر مرور الكرام في تاريخ الحركة النضالية في لبنان، بل انه سيترك أثره العميق في تاريخ لبنان القريب والذي سيكتب في الزمن المقبل. وقد شهد هذا التاريخ ولادة رقم صعب قلب كل المقاييس، وبدد كل الاوهام بامكانية نجاح البعض بابتلاع لبنان والقضاء على نهائية كيانه كبلد سيد، حر مستقل، اذ حمل اصحابه لواء الدفاع عن لبنان حتى الاستشهاد.

انها ولادة "القوات اللبنانية" من رحم المعاناة لتكون رأس الحربة المضرجة بالدم في وجه المحتل الذي سيجعل من جونية طريقه الى القدس ممرا، وفي وجه من اراد لبنان مجرد ولاية تابعة لنظام الديكتاتورية في الشام.

فمنذ نشأتها على يد المؤسس الرئيس الشهيد بشير الجميل، و"القوات اللبنانية" محط الانظار والهجوم والتخوين، الا ان ذلك ما زادها الا صمودا في وجه العواصف المجنونة التي ضربت لبنان، وهزت جذوره من الاعماق حتى كاد يقع الا ان اليد القواتية سرعان ما امتدت لتمنعه من السقوط، وان كان الثمن آلاف الشهداء "فمن اجل لبنان نموت كل يوم، و"لان لبنان وطننا وفيه باقون"، وقد كان البشير باكورة الشهداء على مذبح هذا الوطن الجريح، فاستشهد في 14 أيلول 1982.

وكان درب الجلجلة طويلا جدا، اذ ما كادت الحرب الاهلية تضع اوزارها بعد توقيع اتفاق الطائف، حتى بدأت "القوات" تتعرض لحملة غير مسبوقة من الاعتقالات التعسفية، الى جانب ما تمت فبركته بحقها من ملفات واتهامات واولها اتهامها بمحاولة اغتيال الرئيس الياس الهراوي، ومرد ذلك الى ان موافقة "القوات" المبدئية على الطائف لم تكن ابدا تنازلا عن وحدة المنطقة الشرقية او مبايعة لخلاف راهن عليه كثيرون.

وراحت الامور تزداد خطورة، اذ بات الخناق يشتد على "القوات"، مع ورود تسريبات وتحليلات كانت تؤشر الى فصل جديد من الاتهامات التي ستساق ضد القواتيين عامة، ورئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" د. سمير جعجع بشكل خاص.

وقد بلغت الامور ذروتها مع تفجير كنيسة سيدة النجاة في ذوق مكايل بتاريخ 27 شباط عام 1994، حيث سقط 11 شهيدا وحوالى 63 جريحا، لتتكثف بعدها حملة الاعتقالات والمداهمات اذ بلغ عدد الموقوفين 20 شخصا وحوالى 100 شخص تتم ملاحقتهم. وبين 10 و11 آذار، اقام الجيش اللبناني الحواجز على مدخل غدراس حيث كان الدكتور جعجع يقيم هو وزوجته النائب ستريدا جعجع، حيث طوق المكان بالاسلاك الشائكة والمتاريس، واخضع الداخلين والخارجين لمضايقات جمة.

وسرعان ما اصدر المحقق العدلي في هذه الجريمة مذكرات توقيف غيابية بحق عدد من القواتيين، كل ذلك وجعجع ثابت على مواقفه وقناعاته، اذ قال في حديث لاذاعة "مونتي كارلو": "نحن مرتاحون ولو تعرضنا للعذاب والتضحيات. لقد اعتدنا على ذلك ولم نختر هذا الموقف السياسي وتمثيل الناس لكي نكون مرتاحين حين نعرف ان هناك ثمنا لهذا الموقف".

وفي 23 آذار من العام عينه، التأم مجلس الوزراء في بعبدا برئاسة الهراوي، حيث صدر القرار بحل حزب "القوات اللبنانية"، اضافة الى وقف بث نشرات الاخبار والاذاعات باستثناء تلفزيون لبنان واذاعة لبنان الرسمية، كل ذلك في محاولة لممارسة سياسة التعتيتم الاعلامي المشبوه، كي يتاح لمفبركي الملفات وعلى رأسهم آنذاك اللواء جميل السيد ممارسة لعبهم المشبوه دون ان يزعجهم اي صوت معارض يشكل خطرا على مسار مخططاتهم الدنيئة. ولا ننسى الحملة التي تعرضت لها محطة الـ"LBC" حيث صودرت معداتها، وتم تكسير الكثير من محتوياتها، وضيق الخانق على العاملين فيها خاصة وانها كانت صوت "القوات" الاكثر فاعلية، الى جانب اذاعة "لبنان الحر" و"المسيرة"، كما صودرت ممتلكات "القوات" التجارية، وراح الجيش يداهم المنازل بحثا عن الاسلحة.

واستفاق اللبنانيون صبيحة 21 نيسان عام 1994 على خبر نزل كالصاعقة على القواتيين، "اعتقلوا الحكيم"، عبارة راحت تتردد ما بين ابناء البشير واحفاده، وبدأ القلق على المصير يدب في قلوب القواتيين. "ماذا ينتظرنا؟"، "الى اين نحن سائرون؟"… وغيرها من الاسئلة التي وان قضت مضاجعهم الا انها لم توهن عزيمتهم على الاطلاق. وقد شهدت بكركي صباح 24 نيسان من العام نفسه اعتصاما قواتيا واسعا تأييدا للحكيم، واحتجاجا على الظلم اللاحق بانصار "القوات" وقيادييها، وامتدت هذه الاحتجاجات لتطال بلدان الاغتراب، وامتها الوفود المطالبة بالافراج الفوري عن الحكيم، ووقف مسلسل التوقيفات غير المبررة اطلاقا.

لم يضعف، لم يتراجع رغم الاغراءات التي قدمت اليه، "امش معنا في الخضوع لسوريا وتخرج الآن من السجن"، وسبقتها اغراءات كثيرة وكان الحكيم بين خيارين او السجن او الهروب الى الخارج، الا انه اختار الخيار الاول، خيار الابطال الشجعان في وقت الشدة، وهو الذي ابى ان يرمي بتضحيات القواتيين ودماء الشهداء جانبا ويرحل وكأن شيئا لم يكن. دخل "المعتقل" كا يحب ان يسميه مرفوع الرأس، واثق الخطىن مؤمنا بالحق الذي سينتصر في نهاية المطاف.

هكذا، باتت "القوات" والحكيم اسيري القبضة القضائية – السياسية. اذ تم ايقاظ الملفات من سباتها العميق، وازدحمت القضايا والجرائم والتهم… من محاولة اغتيال الهراوي، الى محاولة اغتيال النائب ميشال المر، الى الاتهام باغتيال الرئيس رشيد كرامي فرئيس حزب "الوطنيين الاحرار" داني شمعون، وصولا الى جريمة سيدة النجاة، الى فتح ملف مجزرة اهدن… وكرت السبحة، والحكيم حمل صليبه، واودع في زنزانة تحت الارض، لا تتعدى المتر الواحد عرضان وطولا، في ظروف صحية سيئة للغاية حيث لا هواء ولا نور بل رطوبة وعفونة تغزوان المكان، وسط محاكمات صورية انتزعت فيها الافادات تحت الضغط والتعذيب… اذ مورست بحق المعتقلين القواتيين ابشع انواع التعذيب والتي يندى لها الجبين فعلا.

كان الدرب موجعا، قهر، وتعذيب واستشهاد، اذ ان الفترة الممتدة ما بين عام 1990 وعام 2005 شهدت سقوط عدد من الشهداء القواتيين ومنهم سامي ابو جودة، ايلي ضو، سليمان عقيقي، نديم عبد النور، فوزي الراسي، جورج ديب، نعمة زيادة، رمزي عيراني، بيار بولس، بيار عفارة، عزيز صالح وطوني عيسى، سليمان الشدياق، والشهيدة الحية مي شدياق.

وتواصلت مسيرة الالم والاضطهاد، وكان القواتيون في كل مناسبة وفي كل محفل يطالبون بخروج الحكيم، وبوضع حد للظلم الفادح الذي لحق به وبالقواتيين، وبايقاف المهازل القضائية فورا. حتى استجيبت صلواتهم، وما ان اطل فجر 26 تموز عام 2005 حتى كان الحكيم حرا، اذ خرج من سجنه منتصرا على 11 عاما من الظلم، والتزوير، والقهر، وذلك بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط من العام نفسه، وخروج الجيش السوري مهزوما من لبنان في نيسان من هذا العام، على وقع ثورة الارز وانتفاضة "14 آذار" التي شكلت مرحلة مفصلية في تاريخ لبنان المعاصر.

هكذا، وبخروج الحكيم، انتصر الحق على الباطل. بخروجه انكفأ المزورون والمخادعون خائبين، وبقيت "القوات" شعلة لم ولن تطفأ في عتمة هذا الوطن. كانت وستبقى رأس الحربة في حماية لبنان من اعدائه في الداخل والخارج. وهذا ليس شعارا انما نهج حياة قواتي اخذه الحكيم على عاتقه، وهو الذي قال في آخر حوار تلفزيوني: "انا ثابت في قناعاتي، لا يستطيع احد ان يأخذني لا بالترغيب ولا بالترهيب"، يساومون ويبقى هو هو، يبيعون ويشترون ويبقى هو ثابتا لا يحيد عن مبدأ، لا يتراجع عن قضية الحق، عن نصرة لبنان السيد، الحر، والمستقل، وشعاره كان وسيبقى :"قضيتنا هي انسان واحد وقضية واحدة في كل زمان ومكان".

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل