بسرعة تتطور الأمور يا إخوان. ومن ظنّ أن نظام الجرعات المتتالية سيُعتمد من الآن حتى "خريف الغضب" الآتي كان على خطأ بيّن واضح لمّاع ومُشعّ.
لم يقف الهجّاؤون من الصف الثاني والثالث والعاشر طويلاً على رصيف الانتظار، وما أن أعطيت الإشارة الفعلية لبدء موسم ترجمة الهيجان الموعود حتى انطلق هؤلاء مجدداً دفعة واحدة في صولات كلامية معهودة، فيها ما فيها من شتائم وإهانات وتهديدات ورغبات جامحات بالدفاع "عن المقاومة وعزّتها" من خلال وضعها مباشرة في وجه كل الناس دفعة واحدة!
ومرة أخرى يبدو الإعلام الحربي المولج بتقديم وتعميم خطاب المقاومة وثقافتها، الأكثر سعياً الى الشطط في هذا المقام، والأكثر تعبيراً عن سياق يؤدي الى خواتيم لا تنفع إلاّ أعداء المقاومة الناطرين لحظة تذررها في بيادر الاحتراب المحلي، ولحظة انكشاف ظهرها وصدرها في أفران الانقسام المذهبي وبطونه.
مشروع يطرح نفسه كبديل خلاصي عن كل ما جُرّب في النضال المرير والطويل مع إسرائيل في المنطقة، لا يفعل راهناً، وبخفّة غريبة، إلا الاستناد الى ظواهر صوتية موتورة ومأزومة لتبرير مواقفه المستحيلة و"مطالبه" الأكثر استحالة.
ودواعي الأسى أكثر من أن تُحصى، لكن واحدة منها هي تلك الملقاة أمامنا من جديد حيث يعود ذلك الخطاب الرخيص ليُعتمد في قضية غالية، ويعود ذلك الأداء الهشّ ليكشف بنفسه عن هشاشة ما يدافع عنه!
أمرٌ سبق وعايشنا تفاصيله المماثلة في محطات ما قبل السابع من أيار المشؤوم والمنحوس والمدان الى يوم الدين. وافترض البعض في حينها أن ذلك الدرك من الكلام يعبّر عن قصور وقلّة خبرة وهيجان لحظوي سريع، وأن أصحاب ذلك السياق سينتبهون حُكماً الى مخاطر تلك الخفّة والرعونة عليهم وعلى البلد الذي يدّعون الدفاع عنه بعد أن ساهموا في تحرير أجزائه المحتلة.
وكان البعض افترض أن أهل الحل والربط والفك والشد في المقاومة سيراجعون في لحظة تجلّ مضمون ذلك الأداء طالما تبيّن أنه كان عبثياً ومقفلاً الى أبعد الحدود، وطالما تبيّن استحالة "ترجمته" في الداخل مثلما سبق وترجم مع مواقع الاحتلال في الأراضي الجنوبية (؟!) وكان البعض افترض أن الوعي الدقيق "لتفاصيل" المشاريع المعادية سيدفعهم حُكماً الى الاقتراب من المنطق الموصول بتوحّد الناس وهدوء البلد في الإجمال. وكان البعض افترض أكثر من ذلك في شأن الرهان على الوعي الأكثر حدّة لمخاطر الدق على دفّ الانقسام المذهبي من خلال تعميم بيان الهجاء ومطولات الهجّائين…
لكن الذي تبيّن ساعة بعد ساعة ومفوهاً ممانعاً من الدرجة العاشرة تلو آخر، أن من وضع ذلك الأداء في سياق تشبيه أصحابه بالمستشرقين الذين لا يعرفون إلا ظواهر اللغة والناس والتاريخ والجغرافيا من دون اللبّ والروح، كان على حق، وأن من حكى عن نهج انتحاري "شمشوني" كان على حق أكثر، وأن علينا بعد ذلك بقليل انتظار النتيجة الوحيدة الممكنة: انهيار الهيكل على الجميع فيما ظن هؤلاء المستشرقون أنهم يحمونه.. حتى آخر حجر مدمّر! والله أعلم.