لم يستطع بلورة دور سياسي مميّز يقرّب الأطراف ولا يُباعد بينهم
عون وتيّاره لم يخرجا من تبعية تحالفهما مع <حزب الله> في أزمة المحكمة الدولية
منذ لقائه الأخير مع الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله، لم يترك رئيس التيار الوطني الحر النائب ميشال عون مناسبة أو حدثاً، أكان سياسياً أم دينياً أو اجتماعياً، إلا وينخرط بشدة في الترويج للحملة التصعيدية التي خطط لها وينفّذها <حزب الله> ضد المحكمة الدولية، ويذهب بعيداً في الحديث عن تفاصيل <سيناريوهات> <الفتنة> التي تطل برأسها من خلف القرار الظني في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وبالطبع لا ينسى رشق خصومه السياسيين المسيحيين بكل اتهامات التخوين والتآمر، واضعاً كل ما يحصل في النهاية بخانة توطين الفلسطينيين في لبنان·
ولم يتوقف النائب عون عند حدود تفسيره لكيفية تخيّله للسيناريوهات المعدّة من وراء ذلك، بل ذهب بعض وزراء ونواب تيّاره الى التلويح مجدداً بتكرار سيناريو السابع من أيار الذي نفّذه <حزب الله> بسلاح المقاومة ضد الآمنين في بيروت والمناطق، على اعتبار أن هذا السيناريو وسيلة ضغط وتهديد وتخويف ضد خصومه وخصوم حلفائه في الحزب، وعلامة مشرّفة في تاريخ نضالهم وليس وصمة عار ومفصلاً مهماً في تحوّل سلاح المقاومة عن مساره في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي باتجاه اللبنانيين وضد وطنهم لحسابات إقليمية معروفة، في حين يعرف القاصي والداني أن عون وتياره لا يملك أدنى مقومات الفاعلية السياسية والشعبية في مواجهة خصومه السياسيين المسيحيين على الأرض، بل كان يتلطى على الدوام وراء <حزب الله> لتهديد هؤلاء الخصوم وانتقادهم كما طُلب منه ذلك·
وبدلاً من انتهاج أسلوب التخوين والتآمر وتوجيه التهديدات ضد الآخرين، وإذكاء نار الخلافات بين الأطراف اللبنانيين وتخويفهم بالفتنة التي يروّج لها وحلفاؤه، كان باستطاعة النائب عون من خلال ترؤسه لأكبر كتلة نيابية مسيحية في المجلس النيابي وباعتباره الأكبر سناً لكل الأطراف السياسيين والزعماء على حدٍّ سواء، القيام بدور مغاير تماما> عمّا يمارسه منذ انخراطه بالتحالف مع <حزب الله> وتكريس حالة سياسية مختلفة عن حالته كما هي اليوم في اتجاه بلورة دور سياسي متميّز يأخذ الواقع اللبناني بكل أبعاده ويبقى على مسافة معقولة من كل الأطراف اللبنانيين والشرائح الشعبية، ويعمل على التخفيف من وقع التجاذبات السياسية في أي قضية كانت على مستوى الوطن كله وتقريب وجهات النظر بين كل الفئات قدر المستطاع والسعي قدر الإمكان لتحقيق التلاقي في ما بينها وتجاوز الخلافات التي تطرأ من وقت لآخر·
ولكن يبدو أن رئيس التيار الوطني الحر لم يستطع بلورة هذا الموقع الوطني الجامع منذ عودته الى لبنان من الخارج قبل خمس سنوات، إما لعدم قدرته على صياغة هذا الدور السياسي البارز لقلّة خبرته السياسية في هذا المجال وعدم استيعابه تبؤ مثل هذا الموقع الجامع الذي يحتاج الى عقلية منفتحة وصدر رحب يتّسع للجميع، وإما لجنوح طموحه نحو تحقيق حلم الوصول الى سدة الرئاسة الأولى، وهو الحلم الذي يطغى على كل اهتماماته وتوجهاته، ويجعله غير قادر على التمييز بين استمراره في نهج التبعية والانخراط الكلي في السياسة التي يرسمها وينفّذها <حزب الله> بأبعادها الاقليمية المتعارضة مع المصلحة اللبنانية وبين تكريس دور سياسي مستقل له ولتيّاره يميّزه نوعاً ما عن السياسة التي ينتهجها الحزب ويجعله أكثر قرباً من جميع الأطراف من دون استثناء·
ولذلك، لم يخرج رئيس التيار الوطني الحر عن هذه الممارسة في خضم افتعال أزمة الحملة على المحكمة الدولية مع الحديث المتواتر عن قرب الإعلان عن صدور القرار الظني في جريمة اغتيال الرئيس الحريري وهي المحكمة التي وافق على إنشائها النائب ميشال عون في مؤتمر الحوار الوطني ربيع العام 2006 في المجلس النيابي، وهو يحاول من خلال موقفه وموقف تيّاره الانقلاب على هذه الموافقة والانخراط الكلي في حملة تشويه سمعتها واستهدافها سياسياً داعماً سياسة <حزب الله> في هذا الخصوص·
لقد كان بإمكان النائب ميشال عون الدخول على خط أزمة التصعيد السياسي المبرمج التي افتعلها <حزب الله> ضد المحكمة الدولية انطلاقاً من مشاركته في حكومة الوحدة الوطنية مع جميع الأطراف اللبنانيين، للعب دور الإطفائي لنيران الأزمة المشتعلة بدلاً من تأجيج نارها وزيادة التباعد بين الأطراف السياسيين، ولكن يبدو أنه لم يعد يستطع الخروج من تحالف التبعية الذي لم يراعِ حتى شعور وتوجهات كثيرين في التيّار الوطني الحر وبعضهم آثر الابتعاد أو حتى الانفصال عن التيّار كلياً لعدم موافقته على هذا النهج الذي لم يكتفِ رئيسه الانخراط في حملة التصعيد ضد المحكمة وترديد كل مصطلحات التهجم وتزوير الوقائع وتشويه مهمة وأهداف المحكمة، بل تجاوزها للتبشير بكل مفردات الخراب والفتنة والدمار الذي رافقت مسيرة الجنرال العسكرية والسياسية على حدٍّ سواء·