كنت قد عاهدت نفسي على عدم التطرق اطلاقا لزواريب السياسة في لبنان، والأنصراف في المقابل الى البحث الأستراتيجي البحت الذي يتناول مفهوم وجود الوطن الشامل، وكيفية تحديد الطرق الناجعة لتحقيق هذا الوجود. فعالجت الثوابت من مثل مواضيع الأنتماء والمواطنة والهوية والنظام وغيرها من القضايا التي كان مستوى التثقَف منها متدنَيا، أو تحوم حول مفاهيمها اشكاليات جمَة. وكنت اتابع، كغيري من الناس، مجريات الأمور وتطوراتها، واستمع الى مواقف الأفرقاء المتباينة بغضَ النظر عن الدوافع والأسباب التي أدَت اليها. كل ذلك بنفس ديمقراطي يؤمن بحريَة الفكر والتعبير عنه، أيَا يكن اتجاه هذا الفكر. وشهدت ايضا مشادات سياسية، وقفت منها موقف المحايد المراقب، من دون ابداء ملاحظات استحسان أو استهجان لئلا يتمَ تصنيفي، حتى أنَ بعضهم اعتبر حيادي تجاه المجريات المفصلية لامبالاة "وطنية". غير أنَ المواقف الأخيرة التي "أحلَت" دمي ووضعت رقبة ابني تحت مقصلة الجلادين من دون ذنب، نقلتني الى موقع المدافع عن حقَي في الحياة، فبات لزاما عليَ هجر المحايدة الى المواجهة.
عندما استمعت الى تصريح الجنرال عون الذي أفصح عن توجَساته غير المستندة الى وقائع ملموسة، أجريت اتصالا بصديق ينتمي الى التيار العوني وتربطني به علاقة مودَة، وكان الهدف من الاتصال محاولة فهم ما يجري، لكنَ الصديق التقط قصدي فداور على الأجابة ولم يجب. ثم جرى التوضيح على لسان الجنرال بالذات، فأتى التوضيح أقبح من التصريح. وعندها تيقَنت أن الرجل يهذي كالممسوس. أعدت قراءة التصريح والتوضيح كي لا أظلمه، فتأكَد لي المرمى. عندها دبَجت مقالي "هدر الدم" الذي تمَ نشره آنفا على هذه الصفحة. لكنني الآن أريد أن أستوضح الجنرال عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء توجَساته: هل هو الحقد الدفين الذي يحمله منذ عقود على سمير جعجع الذي يظنَ الجنرال أنه كان الحاجز الذي حال دون تبوئه سدَة الرئاسة في السالف من أيامه؟ ولو انطلقنا من هذه الفرضية، لماذا لا يصفَي الجنرال حسابه مع سمير جعجع شخصيا اذا استطاع، من دون أن يزجَ المجتمع المسيحي في أتون القتل والأبادة، هذا مع العلم انَ الجنرال يضع غالبية المجتمع المسيحي في خانة تاييد توجَهاته، وهو أذ يدعو "حزب الله" الى الدخول الى المنطقة المسيحية يعلم أن مقاتلي الحزب سينقضَون على الجميع من دون تفرقة. فهل هذا المنحى الذي يدعو اليه الجنرال يأخذ بالأعتبار سلامة اتباعه؟ ألا يعمل على التضحية بهم أيضا ليرضي كيده؟ أم هو حلم الشباب يشرئب من جديد، ما يجعل الجنرال يظنَ أنه بعد سيطرة الحزب على المنطقة المسيحية وأطباقه على الوطن بأسره، يصبح ممكنا حينها تسليم كرسي الرئاسة اليه وهو الحليف الوفيَ لحزب ولاية الفقيه.
وهنا، يجب أنعاش ذاكرة الجنرال بأن الحزب، في فترة الأنتخابات الرئاسية الأخيرة، لم يصدر بيانا رسميا واحدا يحدَد فيه موقفه من هذه الأنتخابات على مستوى المرشَح الذي يدعمه. وأكثر من ذلك، ففي الأجتماع الذي عقد بين وزير الخارجية القطري والشيخ نعيم قاسم والذي سبق الذهاب الى الدوحة، أعلن الشيخ قاسم أمام الأعلام أنَ مرشَح الحزب للرئاسة كان العماد ميشال سليمان. فهل يظنَ الجنرال عون انَ "حزب الله" الثيوقراطي يمكن أن يدعم مرشَحا علمانيا؟ ونحيله في هذا الصدد الى أنَ الدعوة الى علمانية الدولة كانت العائق الأبرز الذي أبعد الحزب عن ايلي حبيقة وهو القريب من سوريا التي شكَلت دوما القاسم المشترك بين حلفائها، لكنَها لم تستطع اقناع الحزب بدعوة حبيقة. بالأضافة الى أن الحزب لا يحتمل رئيسا متضعضعا نفسيا يمكن أن يفاجئه بموقف لا يتمنَاه، كأن يراود الجنرال كابوس ليلي يعمل على تنفيذه عندما يستيقظ. انَ قصف المنطقة الغربية واعلانه الحروب العبثية خير دليل في هذا الصدد، بالرغم من عدم موافقة أركانه جميعا ونصحهم أيَاه بالتروَي، كما قال لي أبرز أركانه وأشجعهم العميد فايز حرب. أم أنَ الجنرال المسالم يتوجَس شرَا من الجماعة التي تنافسه على الساحة المسيحية والتي يمكن ان تمتلك سلاحا – حسب افتراضاته – ومن شأن ذلك أن يغيَر المعادلة ويطيح بوجوده الجماهيري والسياسي، لذا يستنجد بحزب السلاح للقضاء على المنافسين ولتحويل المنطقة المسيحية أحادية القيادة والمرجعية أسوة بالساحة الشيعية؟
أولا، أنَ اطلاق الأتهامات من دون دليل لا يعتدَ به، خصوصا في هذه المسألة الدقيقة، فلو كان الجنرال يملك ايَ معلومة عن تسلَح القوات لأبرزها من دون تردَد، ايَا تكن هذه المعلومة، لكنَه بنى اتهامه على فرضية غير موثَقة وبالتالي مردودة حكما. ثانيا، لماذا لم يتوجَه الجنرال الى مؤسسات الدولة الأمنية للأدلاء بما لديه وفضَل أن يفضي بـ"معلوماته " الى "حزب الله"؟ هل بات "حزب الله" هو المرجعية الشرعية بدلا من الدولة، وهو الذي اعتبر امتلاك الحزب للسلاح تقويضا للدولة وزجَا للوطن في حيثية التفتيت والخطر؟ ألا يعني ذلك عدم اعتراف سافر من جانب الجنرال بالدولة وأجهزتها؟ وهو الذي يطلَ علينا في ظهورات متكرَرة لينادي بالدولة التي يشكَل هو جزءا منها على صعيدي مجلس النواب والحكومة، ويدعوها الى التحرَك لأثبات وجودها. ثالثا، هل "عمل" الجنرال حساباته بشأن المردود الذي يمكن أن يناله المجتمع المسيحي من "تغيير قواعد اللعبة" أو بالأحرى الأنقلاب الدموي الذي يفرض حالة معاكسة للدولة، والتي لا يستسيغها المسيحيون بعد تجاربهم مع طروحات نقيض الدولة؟ واذا حصل وتحوَل المجتمع المسيحي الى منطقة منتدبة، فماذا يبقى للجنرال سوى أن يكون "مطرانا " على مكَة؟ وهل يحسب الجنرال أنَ "حزب الله" هو ورقة في يده يستطيع أن يحرَكها كما يشاء وساعة يشاء وحسب أهوائه، من دون أن يفترض أنَ الحزب لديه اعتبارات وحسابات يمكن أن تصيب الجنرال بالأحباط؟
انَ أكثر الشرور هو في أن يبتلي بلد ما بموتورين "دراكوليين"، وما أكثرهم، يحوَلون أحلام الأطفال الى كوابيس، ويزرعون الشوك في الضحكات. حقَا، لم أر في زمني أسوأ من بوم يقيم عرسا فوق جثَة.