ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه
ايلي نصار
يلي نصارماذا ينفع لبنان لو ربح ارضه كلها وخسر شعبه. نشأت اجيالنا على صراعات دموية ارهقت نفوسهم وترسخت في تفكيرهم وخلفياتهم. نشأت اجيالنا على معتقدات سلبية جامدة تغرقهم في قوانين صارمة، وتجزهم ضمن قوالب اجتماعية تتخبط في مرونة المجتمع الحديث. فيغدو التضارب النفسي واقعا مريرا على ابناء الجيل الصاعد، وتغدوا التناقضات ارضا خصبة لمرارة ذاتية، تظهر عبر تشنجات اجتماعية يومية وحياتية.
ماذا ينفع لبنان ووديانه وسهوله وجباله لو انشا اجيالا تتعلم فقط غريزة الموت من اجل البقاء. عدائية تنمو تدريجيا وبشكل يؤدي الى جمود في التفكير بعيد عن الليونة، فيطغو الفكر الشمولي الواحد على التنوع والقابلية على تقبل الافكار الجديدة.
ماذا ينفع لبنان لو انشا اطفالا وشبانا وشابات لا يعيشون مبدا الحياة الذي يرتكز على حقوقهم الاساسية، والذي يحترم حقهم بالحياة والامن واللعب والتسلية والتعليم والحب والاحترام والحوار والتفهم، والتربية القائمة على مبدأ احترام خصوصية الاطفال، ومساعدتهم على تقديم الدعم النفسي اللازم لاعطائهم القدرة على الاستقلالية في اختيار مشروع حياتي ذاتي، ينسجم مع تطلاعتهم وخياراتهم، فيخوضون غمار الحياة متمتعين بثقة كبيرة بقدراتهم، مدركين كيفية وضع الخطوات المناسبة، قادرين على الحوار وتقبل الاخر والتكيف مع مختلف الظروف الحياتية، بفضل صورة ايجابية عن ذواتهم وعن محيطهم الذي يؤمن بقدراتهم ويحترمها ويساعدهم على تحقيقها.
هكذا تنمو المجتمعات المتحضرة، وهكذا تصقل شخصية اطفالنا وهكذا نضمن حقيقة استقلال مجتمعاتنا، ونضمن وجود جيل يعرف كيفية الاستقلال الحقيقي نتيجة استقلالية نفوسهم وذواتهم.
فكيف ندعي المطالبة بالاستقلال والمحافظة على حريتنا، طالما نحن نسجن افكارهم من خلال تربيتنا المتشددة القائمة على المبدأ الواحد والفكر الاحادي، طالما نحن نمسح حرية الفرد والمبادرة الذاتية، باشباع عقول اولادنا بافكار سلبية قائمة على الحروب والموت والرعب، فتعلو مستويات القلق المستمر لدى اجيالنا، مما يزيد من التشنجات القلقية والانفعالية والفردية، وتكثر السلبية في الاحتكاك الاجتماعي اليومي.
نعم اذا اردنا صحة نفسية وبالتالي اجتماعية سليمة، يجب ان ننظر الى هؤلاء الشبان، والى كيفية تربيتهم ونوعيتها ولا نذجهم في المشاريع السياسية، من خلال تربيتهم على العنف الذي يقمع حرياتهم فيقمعون بدورهم حريات من بعدهم.
هكذا تتوالى عمليات القمع الاجتماعي، وتزيد نسبة الكبت الذاتي، مما يولد احتقانا فرديا وبالتالي اجتماعيا لا بد ان يظهر عبر عوارض فردية متنوعة وايضا اجتماعية.
يبقى اللوم انكم تدركون ماذا تفعلون، نعم تدركون انكم تنشئون اجيالا موجهة متشنجة متعطشة لتنفيس احتقان تربوي تجمّع خلال سنين، ويبقى لالمامكم بالتخطيط لمجتمع مسلوب الخيار وحرية النقد والمحسابة وطرح البديل.
هذا ما تريدون من خلال تربيتكم التي تعتبر مخالفة فاضحة ولم تعد مقبولة مقارنة مع حقوق الطفل المتبعة عالميا.
لن ندعوكم لاعادة حساباتكم لانكم ان فعلتم ستتشددون اكثر بما تفعلون، خوفا من محاسبة الضمير الاجتماعي على ما فعلتم وتفعلون، وخوفا من خسارة ما امتلكتموه.
في الختام نقول لكم يا مدّعي الدفاع عن لبنان وشرفه، ان الاجدى بكم ان يربح لبنان ارضه وشعبه معا.