#adsense

انتظروا كلمة المحكمة فقد تكون هي الحلّ

حجم الخط

ما اشبه هذه الايام، بالقسم الاول من اعوام التسعينات وتحديداً بعد العام 1992، عندما ذهب المسيحيون في شبه اجماع الى مقاطعة الانتخابات النيابية، بعدما فرض عليهم وعلى اللبنانيين قانون انتخابي يؤمّن «تعيين» اكثر من مائة وخمسة عشر نائباً من اصل 128، يؤمنّون للسلطة الحاكمة ولسلطة الوصاية عليها، تنفيذاً سلساً لاتفاق طائف جديد، لا علاقة له باتفاق الطائف الاصلي. ما دفع يومها بالنائب والوزير السابق البير منصور، وهو احد نواب الطائف البارزين الى اصدار كتابه الشهير «الانقلاب على الطائف».

في تلك المرحلة، وبعد نفي العماد ميشال عون الى الخارج، كانت القوات اللبنانية، وعلى رأسها الدكتور سمير جعجع هي العصب الاساس للمسيحيين ورأس الحربة في الدفاع عن حقوقهم وهواجسهم ومخاوفهم، انسجاماً مع اقتناعاتها، والتزاما بمواقف بكركي التي كان يعبّر عنها بشجاعته المعهودة البطريرك نصرالله صفير.

مواقف صفير وجعجع التي تكوكبت حولها الاكثرية الساحقة من المسيحيين والتي ايّدها ضمناً فريق من اللبنانيين من طوائف اخرى حفّزت السلطتين الحاكمتين على اخذ القرار بضرب علاقة جعجع الوثيقة بالكنيسة، وضرب تنظيم القوات اللبنانية ذي الحجم الشعبي الواسع ليسهل تنفيذ ما فصّل للبنان من اتفاقات ومعاهدات، وخلق اجواء حكم مريحة امام العديد من الدمى المختارين، ليشكلوا الصورة التي لا بد منها لاظهار ان هناك دولة ومؤسسات، واي عمل يمكن القيام به للوصول الى هذه الغاية، هو افضل من تفجير كنيسة واتهام القوات اللبنانيةبه، فكانت جريمة تفجير كنيسة سيدة النجاة في جونيه القريبة من بكركي، وتوقيف سمير جعجع وحلّ حزب القوات اللبنانية ومطاردة عناصره وقتل بعضهم وسجن اكثر من عشرة الاف شاب وشابة.

هذه العودة الى الماضي هدفها التذكير بأن التحقيقات التي اجريت والاتهامات التي سيقت، والقرار الاتهامي الذي صدر، كانت جميعها مفبركة وكاذبة ومبنية على وقائع مزوّرة، ولكن المحكمة التي نظرت في هذه الدعوى، وعلى الرغم من الضغوطات الهائلة التي مورست عليها لتأكيد التهمة واصدار احكام مشددة بحق جعجع ومن اتهموا معه، لم تجد مهرباً الاّ بتبرئته من الاتهامات المفبركة، هذه الاتهامات لانها كانت حسب المحامي المرحوم ادمون نعيم «اوهن من خيوط العنكبوت».

في تلك المرحلة الصعبة كانت القوات اللبنانية منزوعة السلاح، بعد ان تخلّت عنه طوعاً تنفيذاً لاتفاق الطائف، ولكن كان بامكان الوف الشباب القواتي القيام بتحركات غير سلمية للتعبير عن غضبهم، وكلنا نعرف انهم قادرون على ذلك، ولكن سمير جعجع كان حازماً وقاطعاً في هذا الامر ودعا القواتيين الى التزام الهدوء والصبر، لأن «مصلحتنا ومصلحة المسيحيين، ومصلحة البلد هي بالابتعاد عن العنف» وفي النهاية «لا يصحّ الا الصحيح».

جميع الذين يصرخون اليوم، بأن التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، باطل لانه يقوم على شهادات شهود زور وان القرار الظني سوف يتبنى هذا التحقيق تنفيذا لرغبة الولايات المتحدة واسرائيل، وان المحكمة لن تكون بعيدة في احكامها عن مضمون هذا التحقيق، وان البعض من اهل السياسة، ممن ظهروا في غفلة من الزمن على الساحة السياسية ويتلطّون وراء قوة حزب الله وسلاحه، ويتغنون بشعر خالتهم، ويهددون بسبعين مرة سبعة ايار، هؤلاء كلهم باركوا التزوير وفبركة الملفات وشهادات الزور، وكان كل همهم ان اصلبوا سمير جعجع وحزب القوات اللبنانية، وللحق يقال انهم ما زالوا حتى اليوم ملتزمين بهذه المهمة «النبيلة» في حين ان سمير جعجع الذي كان ضحية التآمر والتحامل ونيّة القتل، يقول اليوم وعلناً أمام ملايين المشاهدين انه على استعداد مع رفاقه في 14 آذار للجلوس مع حزب الله ومراجعة القرار الاتهامي، ومعاً جميعاً نرفضه اذا كان مبنياً على الكذب والزور والتحامل ونيّة ضرب حزب الله، على الرغم من الخلافات الاساسية القائمة بين حزب الله وفريق كبير من اللبنانيين وفي مقدمهم حزب القوات اللبنانية.

اذا كان السيد حسن نصرالله يبرمج، كما قال، طلاّته التلفزيونية ويتدرّج في كشف مضمونها حتى لا تنفجر دفعة واحدة وتهزّ الاستقرار، على الرغم من حرصه وحرص حزب الله على الهدوء والامن، فهل يعتقد السيد نصرالله انه بهذه الطريقة التي تستدعي ردوداً عليها ستكون عنيفة احياناً، وتفسح في المجال امام من لا يرغب ولا يريد الهدوء والاستقرار والامن، للدخول على خط التوتر العالي لتحريك الفتنة والغرائز، يمكن تجريع اللبنانيين ما ينوي حزب الله ان يفعله في النهاية، لاننا في نهاية المطاف يجب ان نرسو على موقف او قرار او اتفاق تكون في مصلحة لبنان وشعبه، بعيداً من اي حسابات ربح او خسارة فئوية او سياسية.
اذا كان لبنان اليوم في عين العاصفة، فانه من الواجب الوطني والاخلاقي ان يلتزم الجميع بعين العقل، لان الاعتداد بالنفس الى درجة التخلّي عمّا ينبّه اليه العقل، كمن يقصف عشوائياً فيصيب ذاته او اقرب الناس اليه.
انتظروا كلمة المحكمة، فقد تكون هي الحل.

المصدر:
الديار

خبر عاجل