لعل أهمية الحراك العربي المتمثل في الزيارات المرتقبة للعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز وأمير قطر الشيخ حمد بن خليفه آل ثاني مع عدم استبعاد إمكان قيام الرئيس الاسد بزيارة لقصر بعبدا تتزامن أو تلي زيارة العاهل السعودي، إلى جانب المواقف التي تصدر من هنا ومن هناك وأبرزها لوزير الخارجية المصرية احمد ابو الغيط بشأن تثبيت الاستقرار في لبنان، إنها تستبق أي عمل عسكري يمكن أن يقوم به "حزب الله" في الداخل تنفيذا لتهديداته في حال صدور القرار الظني متهما بعضا من عناصره بالمشاركة في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
من الواضح أن 7 أيار شكلت درسا لقوى الداخل والخارج مفاده أن "حزب الله" لا يتردد في إشعال البلد إذا ما تعارضت مصلحته مع المصلحة اللبنانية. فما اعتقده بعضهم بأن الحرب الأهلية ذهبت إلى غير رجعة وصارت من التاريخ، أعاده "حزب الله" بلحظة واحد بذريعة الدفاع عن سلاحه في مواجهة قرارين غير قابلين للتنفيذ عمليا. وما حصل في 7 أيار لا يختلف عما حصل في 12 تموز بفتح الجبهة اللبنانية تنفيذا لرغبات إيرانية.
وعليه، جاء التحرك العربي الاستباقي في محاولة لتعطيل نية "حزب الله" إعادة استخدام سلاحه في الداخل. وهذا أمر حسن، ويجب أن يستكمل بمزيد من الزيارات واللقاءات والمواقف العربية والدولية المحذرة من أي مغامرة يقوم بها الحزب في الداخل أو عبر الحدود. ولا شك أن وتيرة الحراك كما المواقف العربية والدولية شكلت صدمة لـ"حزب الله" الذي أفرغت مؤتمرات وخطب أمينه العام من مضمونها الهادف بالأساس إلى وضع الداخل والخارج أمام أمر واقع لا يحتمل التأويل، فإما تأجيل القرار الظني إلى ما لا نهاية أو وضع اليد على لبنان عسكريا.
ولكن المفاجأة الكبرى بالنسبة لـ"حزب الله" تمثلت في الموقف السوري الذي أعطى في 7 أيار 2008 الضوء الأخضر للحزب بغية تنفيذ اجتياحه لبيروت والجبل، بينما اختلفت اليوم أجندة الطرفين، ولا نتحدث عن فصل وانفصال بين سوريا وإيران، إنما عن اختلاف في الأولويات ظهر في العراق واليمن وأخيرا في لبنان. فلا مصلحة لسوريا اليوم بتوفير الغطاء لـ"حزب الله" بفتح حرب مع إسرائيل يحتمل جدا أن تطالها، وهي تأخذ التهديدات الإسرائيلية على محمل الجد بأنه في حال استهدف "حزب الله" إسرائيل لن يقتصر رد الأخيرة في لبنان إنما سيتوسع ليشمل دمشق التي تحملها تل أبيب مسؤولية فتح حدودها أمام "حزب الله" ليتزود بالسلاح والعتاد والرجال.
كما لا مصلحة لدمشق بتأمين الغطاء لـ"حزب الله" بإعادة استخدام سلاحه في الداخل لجملة أسباب أهمها:
أولا: لأن استخدام هذا السلاح يأتي على خلفية اتهام حزب شيعي التكوين والعقيدة باغتيال أهم شخصية سنية في العقدين الأخيرين، وهذا ما يربكها إزاء الشارع السوري.
ثانيا: لأن استخدام "حزب الله" لسلاحه يضعها أمام خيار من اثنين: إما فك العلاقة مع الحزب أو فك العلاقة المتجددة مع الرياض وعبرها واشنطن وباريس، وهي لا تريد الدخول راهنا في أي مفاضلة من هذا النوع، مفضلة مواصلة لعبتها "المستحبة" المعروفة بـ"سياسة الحافة".
ثالثا: لأن إقرار مجلس الأمن في 9 حزيران الماضي العقوبات على إيران، وازدياد الضغوط على طهران تدريجا سيضع الأخيرة عاجلا أم آجلا أمام أيضا حل من اثنين: إما الانصياع لرغبة المجتمع الدولي الذي لم يسبق أن توحد بهذا الشكل بشأن قضية معينة أو سقوط النظام الإيراني بثورة داخلية أو حرب خارجية. وهذا الوضع يقلق سوريا ويزيد من أزمتها وحيادها. ومن المفيد التذكير بأنه عندما توحد العالم ضد صدام حسين لم تخرج عن القاعدة، وإعادة توحد هذا العام في وجه إيران لن يجعلها تشذ أيضا عن هذه القاعدة في الوقت المناسب.
رابعا: لأن دمشق استعادت بشكل أو بآخر دورها في امتلاك الأوراق واللعب على التناقضات، هذا الدور الذي خسرته نتيجة العزلة الدولية والعربية عليها بعد اغتيال الرئيس الحريري، وهي غير مستعدة اليوم للانزلاق إلى حرب يجرها إليها "حزب الله" وتفقدها ما تمكنت من استعادته بـ"شق النفس".
ولعل هذا الحراك العربي على أهميته لا يعفي رئيسي الجمهورية والحكومة من مسؤوليتهما في إبقاء القضية اللبنانية في صدارة الاهتمام العربي والدولي تمتينا للتهدئة والاستقرار، كما مسؤوليتهما في حماية اللبنانيين من أي مغامرة يقوم بها "حزب الله". ففي ظل وجود رئيس للجمهورية وحكومة ما يسمى وفاق وطني من غير المسموح أن يقف الجيش اللبناني على الحياد، إنما من مسؤوليات هذا الجيش حماية اللبنانيين والانتشار منعا لاستخدام السلاح من قبل "حزب الله" أو غيره.
لعل ما يقلق السيد نصر الله ليس اتهام بعض من أعضاء حزبه فقط، وإنما تبرئة دمشق كما حيادها في الوقت نفسه، وهذا بالإضافة إلى انحسار الخيارات أمامه وضيق هامش مناوراته، وتمسك قسم كبير من اللبنانين بالمحكمة من أجل ملاحقة المجرمين ووقف الجريمة السياسية، وإصرار المجتمعين الدولي والعربي على العدالة وتطبيق القرارات الدولية واستكمال التسوية السلمية…