جاحدٌ كبير من "يتطاول" على الواقعتين الآتيتين يا إخوان:
في العام 1989 تدخّلت المملكة العربية السعودية بكل ثقلها وحجمها ودورها وإمكاناتها وتاريخها ونبلها وكرمها و"أوصلت" اللبنانيين الى اتفاق الطائف الذي صار دستور البلاد، وأنهى مآساتها التي عصت على كل حل، وقاومت بشراسة كل مبادرة لإنهائها وإطفاء نارها الوقّادة.
ولا تهم كثيراً في هذا المقام، الحسابات والقراءات والمفردات السياسية الذاهبة الى القول بأن المسرح الإقليمي والدولي كان مهيأ لتلقف ذلك الإخراج في ضوء بدء تداعي الحرب الباردة وغير ذلك من تفاصيل إقليمية مهمة وخطيرة، بل المهم هو أن المملكة تنكّبت ذلك الدور وسعت إليه ووصلت في سعيها الى ما تريد فيما غيرها فشل مرة واثنتين وثلاث وعشر!
والثانية هي أنه ما كان يمكن إيقاف المسار الانقسامي الانحداري الخطير الذي ضرب العرب والمسلمين في أكثر من محطة لولا الخطوة الاستثنائية التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قمة الكويت في كانون الثاني عام 2009. تلك الخطوة التي أقامت سداً أمام طوفان التشظّي والانقسام، ووضعت حداً لمسار استفادت منه إسرائيل قبل غيرها، وترجمت تلك الاستفادة مرة في لبنان وأخرى في غزة، وكادت ويلاته أن تسرح في طول الدنيا وعرضها.
وجاحدٌ ناكر للجميل وأهله، ومزوّر للتاريخ وأحداثه من يهوّن من دور واقعة قمة الكويت تلك في بدء خروج لبنان من أسر أزمة كادت تحوّل حروب ما قبل الطائف الى نزهات صيفية مقارنة بالصقيع التمويتي الذي كانت تحمله.
لم يفعل ملك العرب عبدالله بن عبدالعزيز في تلك القمة شيئاً خارج مألوف بلاده، وسيرة المؤسس الراحل المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود، السيرة المسوّرة بمكارم الأخلاق ومُثل الأنقياء والأتقياء، والمحروسة بكلمة الله العليا وعطاياه…
ولم تكن مبادرته آتية من خارج سياق معروف ينشد الوحدة مقابل التشرذم، والجمع مقابل القسمة، والألفة مقابل الفتنة، والإعمار مقابل الهدم، والحق مقابل الباطل..سياق الساعي مع سراة الليل وتحت ضوء الشمس الى إعلاء شأن العرب والمسلمين أينما كانوا تحت ذلك الضوء أو كنَف عتم ذلك الليل، والباحث أبداً عن سبل استعادتهم حقوقهم المسلوبة كائناً من كان سارق تلك الحقوق.
فعلها ملك العرب معنا ومع بلدنا من دون منّة أو عنّة أو أنّة. وفعلها أيضاً مع الفلسطينيين عندما وحّدهم في مكة المكرّمة قبل أن يأتي غيره ليعيد تقسيمهم بحثاً عن موطئ قدم لمشروعه الإمبراطوري وأحلامه النووية..
فعلها كما فعلها أسلافه في مملكة الخير والحكمة وموطن السلف الصالح.. وهو مرة أخرى يأتي من مسار ذلك السلف وسيرة تلك الحكاية الخالدة أبد الدهر، النابتة خضرة وضّاءة لا تحرقها الشمس ليعيد الحضور الى دور يتلهّف لصون السلم الأهلي اللبناني وحفظه ودرء الرزايا والكوالح عنه… ولا شيء آخر. والسلام!