#adsense

وصايا ملك الحكمة للبنانيين

حجم الخط

كانت حالة من القلق والذهول تهيمن على لبنان، بعد أيام معدودات من وقوع جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، عندما استقبل <الأمير> عبد الله بن عبد العزيز، وكان يومها ولياً للعهد، شخصية دينية لبنانية رفيعة المستوى، قصدت الرياض للتشاور في تداعيات الزلزال السياسي الذي ضرب الوطن الصغير، وشكّل منعطفاً خطيراً هدّد استمرار مسيرة الأمن والإستقرار·

كان التأثّر بادياً في نبرة الرجل الكبير الذي عرف كيف يحافظ على هدوئه، متمسكاً بإيمان المؤمن بقضاء الله وقدره، ومتسلّحاً برؤية تجمع بين الحكمة وبُعد النظر، وتجسّد وعياً قومياً استراتيجياً يقوى على الجراح، والخلافات الطارئة·

استمع <الأمير> عبد الله بكثير من الاهتمام الى هواجس زائره وصحبه، قبل أن يردّ بكلمات جمعت بين حكمة الوصايا، ورؤية التنبؤات، والتي يمكن اختصارها بالعبارات التالية:

مصابكم هو مصابنا، وما يُصيب لبنان يُصيب المملكة أيضاً ويؤلمها، وغياب الأخ رفيق خسارة لنا بقدر ما هي خسارة لكم·

ويُضيف الرجل الكبير، وكأنه يقرأ في أحداث الغد: لكن هذا المصاب الجلل يجب أن لا يُفقدنا توازننا، ونقع فيما هو اسوأ لا سمح الله، لذلك انبهكم الى امور ثلاثة:

1- لا تنجّروا الى مواجهة مع سوريا، فمثل هذه المعارك يستفيد منها العدو المتربص بالامة وتجر البلاء والويلات على البلدين وعلى الشعبين الشقيقين· ونحن في المنطقة العربية لا نتحمل تحويل سوريا الى عراق آخر·

2- إحذروا العودة الى ما قبل اتفاق الطائف، لان ثمة مخططات تحاول استرجاع الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين، الامر الذي يعيد بلدكم الى نفق الحروب الداخلية التي لا نعرف كيف ومتى تنتهي·

3- انتبهوا الى مخاطر الفتنة المذهبية مع اخوانكم في الدين، لان هناك من يعمل على نقل الفتنة المشتعلة في العراق الى بلدكم، واللعب على الحساسيات السياسية والمذهبية، بهدف تعميم الفتن في المنطقة العربية·

* * *
واليوم، وبعدما أثبتت احداث السنوات العجاف دقة الرؤية، وصواب التوجه والتحليل، ماذا عسى ملك الحكمة ان يقول للقادة السياسيين عندما يلقاهم في قصر بعبدا؟

من روح المبادرة التاريخية التي اطلقها في قمة الكويت الاقتصادية معلناً طي صفحة الخلافات وفتح ابواب المصالحات العربية – العربية على مصراعيها، يحمل خادم الحرمين الشريفين معه باصطحابه الرئيس بشار الأسد إلى الربوع اللبنانية مناخات التوافق العربي – العربي، مؤكداً عودة الروح إلى شرايين العمل العربي المشترك، وصولاً الى إعادة الإمساك بالملفات العربية الساخنة، والسعي الدائب لإيجاد المعالجات والحلول المناسبة لها·

والزيارة الملكية إلى بيروت، بعد القاهرة ودمشق، تحمل مدلولات قومية قوية، افتقدناها طوال فترة الخلافات العربية البائسة·

فجهود خادم الحرمين الشريفين لم تتوقف لوصل ما انقطع بين القاهرة ودمشق، ولاستعادة دور <المحور الذهبي> الذي يجمع الرياض مع عاصمة الامويين وقاهرة المعز، هذا المحور الذي كان، وسيبقى، بمثابة خط الدفاع الأوّل عن قضايا الأمة، ومطبخ القرارات الكبيرة في القضايا المصيرية·

ولولا مبادرة الملك عبد الله في إطلاق مسيرة المصالحات العربية – العربية، لما تحققت المصالحة اللبنانية – السورية، وعلى هذا القدر من التفاهم بين البلدين الجارين، ولما استعاد العراق الشقيق بعض توازنه الوطني في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ولما استطاعت السلطة الفلسطينية الذهاب إلى المفاوضات مع الاسرائيليين، ولما انتعشت أجواء المصالحة من جديد بين فتح وحماس، ولما أخمدت نيران الحوثيين في صعدة وعلى حدود اليمن··· وقبل كل ذلك لما عادت العافية إلى مسيرة العمل العربي المشترك·

* * *
لبنان يفتح قلبه وذراعيه لاستقبال ملك الحكمة، وصاحب الرؤية القومية الاستراتيجية، ليعبر عمّا يكنه للعاهل السعودي الكبير من صحبة وتقدير وعرفان بالجميل، على كل ما قدمته الشقيقة الكبرى للوطن الصغير في أزماته وملماته، وعلى كل مكرمات عبد الله بن عبد العزيز لتخفيف معاناة اللبنانيين، وبلسمة جراحهم، خاصة بعد حرب تموز المدمرة·

وجود خادم الحرمين الشريفين والرئيس بشار الاسد في بيروت اليوم دعم جديد لمسيرة الأمن والسلم والاستقرار، ودعوة أخوية مخلصة لكل اللبنانيين لعدم الانجرار وراء المواقف الانفعالية التي تضر ولا تنفع، وللتمسك بروح الوفاق وثوابت التوافق التي يؤكدها قدر اللبنانيين ان يعيشوا معاً شركاء في وطن واحد، وفي اطار الدولة الواحدة، وفي المصير الواحد·

·· ولنقرأ من جديد وصايا ملك الحكمة التي ما زالت صالحة اليوم·· وقد تبقى صالحة للغد·· ولما بعد الغد!

المصدر:
اللواء

خبر عاجل