أول مواكبة عربية للبنان على هذه المستويات الرفيعة طوال الأزمات التي مرّ بها
زيارات الملك عبد الله والرئيس الأسد وأمير قطر تأكيد عربي جامع على دعم إستقراره
<الموقف الصريح لرئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني بيّن أن النظام الإيراني يسعى لإستعمال لبنان رهينة في صراعه مع الغرب>
تأتي زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس السوري بشار الأسد وأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الوقت نفسه إلى لبنان في سابقة هي الأولى من نوعها طوال الأزمات التي مرّ بها لبنان، إن كانت ابان الحرب الأهلية المشؤومة أو بعدها، للدلالة على مدى التحسس العربي بالخطورة التي وصل إليها الوضع اللبناني في ظل تسارع وتيرة الإستحقاقات الإقليمية والدولية وللتأكيد على مستوى الإهتمام العربي الذي تمثله الدول الثلاث بما يجري على الساحة اللبنانية وسعيها الدؤوب للعمل معاً لتوفير كل مقومات الإستقرار للبنانيين في هذه المرحلة الدقيقة وإبعاد التأثيرات السلبية المرتقبة لتداعيات هذه الإستحقاقات قدر الإمكان·
ولا يمكن التقليل من هذا الحدث السياسي العربي المهم في مسار الأزمة اللبنانية المتصاعدة منذ أسابيع معدودة بعدما تصدر موضوع المحكمة الدولية العنوان الأساس في هذه الأزمة وأصبح الشغل الشاغل للوسط السياسي والشعبي اللبناني على حدٍ سواء، وبات يهدد مسيرة الإستقرار السياسي والأمني في لبنان، لا سيما بعد إنكشاف محاولة <حزب الله> إستعمال قضية المحكمة كغطاء له علاقة مباشرة بإستحقاق عملية السلام في الشرق الأوسط وإستحقاق العقوبات التي فرضها الغرب على إيران، والتحديات التي تلوح بالأفق لإستهداف هذه المسيرة المرتكزة على دعم عربي وإقليمي وفره إتفاق الدوحة في ربيع العام 2008، بعد إجتياح <حزب الله> للعاصمة بيروت بسلاح المقاومة في السابع من أيار المشؤوم·
وقد كشف هذا الإرتباط بوضوح الموقف الصريح الذي أعلنه رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني منذ أيام بقوله <إن تطورات ملف المحكمة الدولية في إغتيال الرئيس الحريري تهدف إلى الضغط على إيران و<حزب الله> لمساعدة الكيان الإسرائيلي في طرح برنامج جديد للسلام>، مهدداً بقطع الأيادي كعادة بقية المسؤولين الإيرانيين في توجيه التهديدات لخصومهم· وقد بيّن هذا الموقف أن النظام الإيراني يبذل ما في وسعه لإستعمال لبنان رهينة في صراعه مع الغرب من ناحيتين، الأولى إعطاء إشارة واضحة لمن يعنيهم الأمر بأن إيران ليست على إستعداد للتخلي عن دورها المؤثر في لبنان عبر <حزب الله> إذا لم تشارك في الجهود والتحركات الجارية على المستويين العربي والدولي لمعاودة إطلاق عملية السلام بين العرب والإسرائيليين في الشرق الأوسط وإرسال إشارة واضحة بأن تغييب إيران عن المشاركة بفاعلية في هذه التحركات، لن يمر هكذا بدون تأثيرات سلبية وأن بإستطاعتها خربطة هذه العملية، أما من خلال إستهداف لبنان من الداخل كما يجري حالياً من خلال إستغلال قضية المحكمة الدولية، أو في حال لم تنجح هذه المحاولات لسبب من الأسباب، فليس من المستعبد أن يتم اللجوء إلى إعادة توتير الحدود الجنوبية للبنان مع إسرائيل·
أما الإشارة الثانية فهي أنه بإستطاعة إيران لعب ورقة لبنان لتحسين موقعها التفاوضي المرتقب مع الغرب في غضون الأسابيع المقبلة حول الملف النووي الإيراني، بالرغم من قرار العقوبات الذي حرم المفاوض الإيراني كثيراً من حركة المناورة التي كان يتمتع بها قبل صدور هذا القرار وكانت أولى هذه الخطوات الأحداث التي نظمها <حزب الله> ضد قوات <اليونيفل> الموجودة في جنوب لبنان لتنفيذ القرار 1701 والحملة السياسية التي ارفقها ضد الدول التي تشارك بهذه القوات وتحديداً فرنسا·
ولا شك أن وقع زيارات الزعماء العرب الثلاثة إلى لبنان قد ترك إنطباعات مريحة لدى معظم اللبنانيين، لأنه يجسد مدى الإهتمام العربي بما يحدث في لبنان والرغبة في مواكبة ميدانية فورية لتطويق أي تداعيات محتملة، إلا أن الترقب لنتائج هذه الزيارات سيبقى سائداً، لمعرفة ما ستسفر عنه اللقاءات والإجتماعات المرتقبة مع سائر الأطراف المعنيين ومخارج الحلول للأزمة القائمة حالياً في ظل التعقيدات الإقليمية التي ترخي بظلالها وصعوبة الفصل بين مؤثرات الإستحقاقات الإقليمية ومحاولة إيران إبقاء لبنان ساحة لتصفية حساباتها مع الغرب وسعيها الدؤوب لإستغلال نفوذها في بلورة الدور الإقليمي المستقبلي الذي تطمح إليه منذ بداية تدخلها في لبنان وبعض الدول العربية المجاورة·
فالجهد العربي الجامع للدول الثلاث المؤثرة في العالم العربي والمنطقة والعالم، ستكون له مفاعيل مؤثرة في تخفيف الإحتقان ونزع معظم مسببات التصعيد في الأزمة الأخيرة، ولكن يبقي كيف ستتعاطى إيران مع هذه المظلة العربية الجامعة للبنان؟·