"… وبالمناسبة نتذكّر شهداء الصحافة والرأي الحر، نقيب الصحافة رياض طه، والصحافي سليم اللوزي، ونسأل الأجهزة الأمنية لماذا لا تنشر معلوماتها عن اغتيالهم، أمام الرأي العام في لبنان والعالم، كي يفهم اللبنانيون من اغتالهم ولماذا اغتيلوا، وكي يفهم العالم أيضاً بأن الحرب لم تكن حرباً أهلية في لبنان بل كانت حرباً على لبنان، ولن تنتهي إلا بتحقيقٍ دولي وبمحاكمةٍ دولية". (العماد عون- 24 -09-2002- النشرة اللبنانية العدد 232)
لم يفاجئنا السيّد نصرالله بهجومه المتواصل على المحكمة الدولية، فـ"الحزب الإلهي" حاول تعطيل مسارها منذ البدايات، فاستقال وزراؤه من حكومة الرئيس السنيورة، وتم إقفال مجلس النواب وتعطيل الحياة الإقتصادية في بيروت وصولاً إلى السابع من أيار "المجيد"، مع ما رافق تلك المرحلة من تفجيرات واغتيالات هدفت بشكل أساسي إلى وقف مسيرة ثورة الأرز، وعدم السماح بقيام الدولة القوية التي تتعارض مع وجود "حزب الله" كدولة رديفة… إلا أن الأمر انتهى إلى تدخل المجتمع الدولي وإقرار المحكمة الدولية، فيما تمكن "حزب الله" ومن خلال استخدام سلاحه في الداخل اللبناني من إرساء قواعد جديدة للعبة السياسية، تتخطى نتائج الإنتخابات النيابية إلى فرض معادلات مبنية على القوة والتهديد.
اليوم يشهد لبنان محاولة مستفحلة للقضاء على النظام التعددي والتنوع الذي يتميز به، فالحزب الإلهي يتهيأ للإنقلاب على المجتمع اللبناني بكافة أشكاله وأطيافه وقواعده المتعارف عليها، فالحديث عن بيئة تحتضن العملاء إنما يشكل أخطر الإتهامات التي اعتاد "حزب الله" حصرها بالشخصيات السياسية التي تعارض نهجه وفكره وارتباطاته، فمفهوم البيئة الحاضنة للعملاء قد يتوسع ليشمل كافة المواطنين الرافضين لتمدد الثورة الإسلامية الإيرانية إلى لبنان، وبالتالي إضفاء "مشروعية" على أي عملية أمنية تستهدفهم، وصولاً إلى الإنقلاب على النظام الديمقراطي التعددي ليحل مكانه النظام المرتجى من قبل الحزب الإلهي ألا وهو ولاية الفقيه.
لا ريب ان اقتراب اعلان القرار الظني في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري قد أدى إلى حالة من الهلع في صفوف قادة "حزب الله"، وذلك بغض النظر عمّا يكتنزه هذا القرار من أدلة وقرائن وإثباتات تدين المتورطين في الجريمة أياً كانوا وإلى أي فئة انتموا، فتحقيق العدالة سيؤدي حكماً إلى الإستقرار، وذلك بعكس ما يدّعي الحزب وأتباعه، ومن ثم سيساهم إرساء العدالة في بناء مؤسسات الدولة اللبنانية وتنمية قدراتها، لذلك كان لا بد لـ"حزب الله" من مواجهة العدالة الآتية لتطيح بمشروع تقويض استقرار البلد وتدمير مؤسساته بهدف وضع اليد عليه والإستمرار باتخاذه رهينة في الصراع العربي- الإيراني، من هنا نفهم الإنقضاض على المحكمة الدولية قبل صدور قرارها وبغض النظر عن صحة التسريبات بشأن اتهام "حزب الله" أو عدمها. فالمحكمة الدولية جزء من مسيرة الإستقرار الممنوع عن لبنان.
يبدو أن ما يطلبه السيد نصرالله من قوى "14 آذار" هو اغتيال الحقيقة. في لبنان ليس غريباً أن تغتال الحقيقة، فكم من الجرائم ارتكبت في وضح النهار وجُهِّل فاعلوها، فلماذا تكون الجرائم الأخيرة استثناء؟ المطلوب اليوم أن نشارك "حزب الله" في اغتيال شهدائنا وإلا فالويل والثبور والسابع من أيار في انتظارنا. غريبة هذه المعادلة التي نواجهها اليوم، إما العدالة لشهدائنا وإما الإنضمام إليهم، وفي الحالتين سنكون ضحايا: في الحالة الأولى سنكون أحياء بيولوجياً فيما قرارنا وارادتنا وكرامتنا منتهكة، أما في الحالة الثانية فسينضم بعضنا إلى قافلة الشهداء ما أن ينزل "أشاوس المقاومة" إلى الأزقة حيث يمارسون عادتهم "المحببة" في إطلاق النار على الأبرياء. رهان واحد يبقى أمامنا، أن نستمر على موقفنا وثوابتنا ووفائنا لشهدائنا، أحياء كنا أم أموات.
في ما يلي نماذج من العدالة الإيرانية بحق معارضيها، وثّقتها القاضية الإيرانية المعارضة شيرين عبّادي الحائزة على جائزة نوبل للسلام في كتابها "إيران تستيقظ"، هذه العدالة التي يرتاح إليها السيّد ويسعى لاستيرادها واستبدال المحكمة الدولية بها، علّ من يطّلع عليها من جمهور "8 آذار"، ممن لم يسقطوا كلياً في الفخ الإلهي، يعيد حساباته ويكتشف أن عدالة بيلمار تبقى الطريق الأسلم في مواجهة سيناريو "جمهورية الجحيم":
"أعلن الطلاب أنهم نبشوا من الأرض وثائق استخبارات سرّية وراحوا يصدرون البيانات التي تتضمن أسماء إيرانيين زعم الطلاب أنهم كانوا يتجسسون لحساب الحكومة الأميريكية. ومع كل بيان جديد كان هؤلاء الطلاب المحتَجِزون للرهائن يوقّعون عملياً على مذكرات بإعدام المتعاملين المزعومين". ص. 57
"كان النقد من "صنع الأعداء"، ولائحة هؤلاء المصنّفين في خانة " أعداء الإسلام" و"المناهضين للثورة" راحت تتوسع. وباتت الخطوط المرسومة على الرمال التي تحدد معاني هذه العبارات تُمحى ويعاد رسمها كل يوم. والذين انتهى بهم الأمر واقفين في الجانب الخاطئ، كانوا يواجهون، على الأغلب الأعم، فريق الإعدام رمياً بالرصاص". ص. 65
"ما زلنا نستيقظ وصحف الصباح تغص بلوائح طويلة بالذين تم إعدامهم، من المسؤولين الرسميين في النظام القديم وممن باتوا يسمّون المناهضين للثورة، الذين أعدموا رمياً بالرصاص أو شنقاً. كنت أقلب الصفحات المليئة أحياناً بصور مرعبة لمشانق وجثث وأرتعد اشمئزازاً حيال المحاكمات الصورية السرّية التي سبقت الإعدامات هذه". ص. 74
"كانت العملية تستغرق بضع دقائق، وهو الوقت اللازم ليُسأل السجناء أسئلة من نوع "هل أنت مسلم"؟ ما هي المنظمة التي تنتمي إليها؟ هل تصلّي؟ هل القرآن الكريم هو كلام الله؟ هل تشجب علناً المادية التاريخية؟" أذا أجاب السجين المرتبك والمغمض العينين وغير المعتاد على التفتيش الديني إجابة خاطئة، لا يوجّه إليه المزيد من الأسئلة، ويصدر فوراً الأمر بالإعدام… وقيل أن السجينات، وكن كثيرات، تعرضن للإغتصاب قبل إعدامهن للتأكد من أنهن قد أُدنّ، حيث يعتقد أن العذراوات ينتقلن مباشرة إلى الجنة". ص. 109-110
"استدعاهم القاضي، وهو رجل دين قذر الملبس يجلس وراء منضدة غير متقنة الصنع، واحداً بعد الآخر…ثم استدعى ثريا التي كانت شابة جميلة حقاً، وهمس: "أليس من العار لفتاة ذكية مثلك أن تذهب إلى السجن، وأن تتسكع مع هؤلاء الشبان؟ إذا اعترفتِ أخذتك زوجة موقتة لي". ص. 118