ما زال الصَخبُ السياسيّ والشعبيّ على أشدّه حول صحّة وضرورة وجدوى قرارات المحكمة الخاصة بلبنان بشأن اغتيال الرئيس الحريري. فهذا يَتّهم بالتسييس والعمالة، وذاك يطلب التروّي والتبصّر. أمّا الغريب العجيب، فهو قرار بعض الكتل السياسيّة بشأن المحكمة… صاحبة القرار.
هذه أسطرٌ تهدِف إلى حمل القارئ على التوقف أمام هويّة المحكمة الخاصة بلبنان، فيتفحّصها ويحلّلها ويقيّمها، فيتهيّأ له، في آخر الأمر، وبقدر الإمكان أن يصل إلى فهمٍ أعمق لماهيتها وما تحمله في ثناياها من أمور تساعد في بناء حُكمٍ مُحكَم.
بدايةً، إنّ الحقّ في المحاكمة العادلة هو من الحقوق الأساسية للإنسان كما أوضح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد وضع المجتمعُ الدوليّ باقةً بالغةَ التنوّع من المعايير لضمان المحاكمة العادلة، في حين تُمثّل انتهاكات هذه المعايير مَبعث قلقٍ كبيرٍ للمجتمع الدولي. أمّا وضع يد العدالة الدولية على الجرائم الخطيرة التي ارتُكبت في لبنان، أتى لأنّه لا طاقة للقضاء اللبناني في التحقيق بها والفصل فيها. حيث تمتلك الأمم المتحدة ميكانيكية للتدخل عندما يهدَّد السلام الدولي أو تُرتكَب جرائم ضد الإنسانية.
في 13 كانون الأول 2005، طلبت الحكومة اللبنانية إلى الأمم المتحدة إنشاء محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة جميع المسؤولين المفترضين عن الاعتداء الذي وقع في 14 شباط 2005 في بيروت وأودى بحياة رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري و 22 آخرين. وعملا بقرار مجلس الأمن 1664 (2006)، أجرت الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية مفاوضات لإبرام اتفاق بشأن إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان. وبموجب قرار مجلس الأمن 1757 (2007) المؤرخ 30 أيار 2007، دخلت حيز النفاذ في 10 حزيران 2007 أحكام الوثيقة المرفقة بالقرار المذكور والنظام الأساسي للمحكمة الخاصة الملحق بها.
ويمكن توسيع اختصاص المحكمة ليتجاوز نطاق التفجير الذي وقع في 14 شباط 2005 إذا رأت المحكمة أنّ هجمات أخرى وقعت في لبنان في الفترة ما بين 1 تشرين الأول 2004 و 12 كانون الأول 2005 هي هجمات متلازمة وفقا لمبادئ العدالة الجنائية وان طبيعتها وخطورتها مماثلتان لطبيعة وخطورة الهجوم الذي وقع في 14 شباط 2005. ويشمل هذا التلازم، على سبيل المثال لا الحصر، مجموعة من العوامل التالية: "الدافع"، والغاية من وراء الهجمات، وصفة الضحايا المستهدفين، ونمط الاعتداءات (أسلوب العمل)، والجناة. ويمكن للجرائم المرتكبة بعد 12 كانون الأول 2005 أن تكون مؤهلة لأن تُدرَج ضمن اختصاص المحكمة وفقا للمعايير نفسها إذا قررت الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة ذلك وبموافقة مجلس الأمن.
تتشكل غرف المحكمة الخاصة بلبنان من قاضٍ دولي للإجراءات التمهيدية، ومن غرفة الدرجة الأولى (التي بدورها تتكون من ثلاثة قضاة: أحدهم لبناني واثنان دوليان إلى جانب قاضيين مناوبين، أحدهما لبناني والأخر دولي)، ومن غرفة استئناف تضم خمسة قضاة: اثنان منهم لبنانيان وثلاثة دوليون.
يتحلى كافة القضاة بالأخلاق الرفيعة والحياد والنزاهة، كما يتمتعون بخبرة قضائية واسعة. وقد عيّن الأمين العام القضاة بالتشاور مع الحكومة اللبنانية وبناءً على توصية من فريق اختيار يتكون من قاضيين يعملان في محكمة دولية أو متقاعدين، ومن ممثل للأمين العام.
عيّن الأمين العام للأمم المتحدة القضاة من قائمة باثني عشر اسما قدّمتها الحكومة اللبنانية بناءً على اقتراح من مجلس القضاء الأعلى اللبناني. أما القضاة الدوليون، فقد عينهم الأمين العام من بين القضاة الذين رشحتهم الدول الأعضاء أو شخصيات معنية. ويُعيّن القضاة لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد.
أمّا قضاة المحكمة فهم:
• القاضي أنطونيو كاسيزي (إيطاليا)، وهو رئيس المحكمة. أستاذاً في القانون الدولي في جامعة فلورنسا حتى العام 2008، وكان عضواً في معهد القانون الدولي والرئيس الأسبق للجنة منع التعذيب التابعة للمجلس الأوروبي. كما كان من العام 1993 إلى العام 1997 أول رئيس للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة حيث ترأس دائرة الاستئناف حتى سنة 2000. وفي شهر تشرين الأول 2004، عُيِّن القاضي كاسيزي من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، السيد كوفي انان، ليترأس لجنة التحقيق الدولية لدارفور المكلفة بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني. وفي العام 2006، عينه الأمين العام للأمم المتحدة خبيراً مستقلاً للنظر في الكفاءة القضائية للمحكمة الخاصة لسيراليون. ومنذ شهر آذار 2009، إثر انتخابه قاضياً رئيساً لغرفة الاستئناف، عُيِّن القاضي كاسيزي رئيساً للمحكمة الخاصة بلبنان.
• القاضي رالف الرياشي (لبنان)، وهو نائب الرئيس. عمل كقاضٍ مستشار لدى هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل اللبنانية. ثم ترأّس المحكمة التجارية في بيروت من 1981 إلى 1992. من 1992 إلى 1993، شغل منصب المحامي العام لدى النيابة العامة المالية، ثم ترأس محكمة الاستئناف في جبل لبنان من العام 1993 إلى العام 1995. إضافةً إلى ذلك، ترأس المجلس التأديبي للقضاة وكان عضواً في مجلس القضاء الأعلى اللبناني حتى شهر كانون الأول 2008. وقد انتُخِب القاضي الرياشي قاضياً في المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة في سنة 2000. قبل تسلّمه مهامه في المحكمة الخاصة بلبنان، ترأّس القاضي الرياشي الغرفة الجزائية لدى محكمة التمييز في لبنان.
• القاضي دانييل فرانسين (بلجيكا)، وهو قاضي الإجراءات التمهيدية. فشغل منصب قاضي التحقيق في المحكمة الابتدائية في بروكسل لأكثر من عشر سنوات. وقد تناول القضايا المتعلقة بالجريمة المنظمة المالية والاقتصادية الجسيمة قبل أن يتخصص في مجال القانون الإنساني والإرهاب. وقبل تعيينه قاضياً للإجراءات التمهيدية في المحكمة الخاصة بلبنان، كان القاضي فرانسين عميد قضاة التحقيق المختصين في قضايا الإرهاب في بلجيكا (من العام 2006 إلى العام 2009). كما شارك في عدة محاضرات دولية وحرّر عدة مؤلفات حول الإرهاب.
اللافت هو تصريحات بعضهم عن جنسية المحكمة الدولية المؤلَّفة حقيقةً، كما رأينا، من أساتذة في القانون الدولي لهم سجل عريق في تاريخ القاء؛ ومحاولة إظهارها أميركيّة الصنع، رغم طابعها الدولي. ويَغفل عن بال هؤلاء أنّ لبنان نفسه هم من تقدّم بطلب إلى الأمم المتحدة لتشكيل المحكمة. فيصبح بعد ذلك أشبهَ بتلميذٍ طَلَبَ الالتحاق بصفٍّ دراسيًّ معيّن، والتزم به، وفي نهاية الفصل الدراسي، امتُحِنَ كالعادة. وإذا به يرفض الفصل والأستاذ والامتحان لأنّه لم ينل الدرجة التي أراد.
مرّ عليّ صديقي الأسبوع الفائت، بُغية توجيهي وإرشادي لأُحسِن الحكم. إستفاض زائري في التأكيد على عمالة المحكمة الدولية للولايات المتّحدة الأميركية، وحمل عليها وقال فيها أقولاً قبيحة. ولما كانت معرفةٌُ تجمعني به، أكملتُ حديثي معه، فسألتُه: ما أودّ معرفته هو ما هي المحكمة الدولية؟ ممّا هي مؤلّفة؟ وأين مقرّها؟ إنّ هذه الأسئلة ما زالت تنتظر جوابًا.