#adsense

اللبنانيون منقسمون بين خائف على المحكمة وخائف منها

حجم الخط

انتظار صدور القرار الاتهامي ليبنى على الشيء مقتضاه
اللبنانيون منقسمون بين خائف على المحكمة وخائف منها

ليست المرة الاولى التي ينقسم فيها اللبنانيون حول مواضيع مهمة، مثل ميثاق 43 والاتفاق الثلاثي، واتفاق 17 ايار واتفاق القاهرة واتفاق الطائف، ولو لم يكن اتفاق الدوحة اتفاقا استثنائياً وموقتا لحصل انقسام حوله ايضاً، لكن يمكن القول انها المرة الاولى التي ينقسم فيها اللبنانيون حول محكمة قبل ان تباشر عملها وتصدر احكامها ويبدأ اللبنانيون محاكمة بعضهم بعضا…

الواضح للجميع ان الازمة في لبنان بدأت مع المحكمة فهل تنتهي معها وكيف؟
لقد اختلف الوزراء في حكومة الرئيس السنيورة على تكليف لجنة تحقيق دولية في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه وبلغ الخلاف بينهم حد انسحاب الوزراء الشيعة من الحكومة احتجاجاً على عدم مناقشة ملاحظاتهم على النظام الاساسي للمحكمة: فكان ذلك بداية خلاف جديد حول وضع الحكومة بين من يرى انها باتت غير شرعية وغير ميثاقية ومن يرى خلاف ذلك ويطلب الاحتكام الى مجلس النواب، فيما المجلس مقفل… فأصبحت الكلمة في الموضوع للشارع، فكانت التظاهرات والمسيرات والاعتصامات التي لم تستطع اسقاط الحكومة انما اسقطت موسم السياحة والاصطياف وألحقت اضراراً جسيمة بمصلحة الوطن ومصالح المواطنين ولم يكن ثمة سبيل للخروج من هذا الوضع الشاذ والتوصل الى اتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية الا بعدما وقعت احداث 7 ايار وعقد مؤتمر الدوحة الذي اوجد صيغة حل استثنائية وموقتة للأزمة تم بموجبها انتخاب رئيس توافقي للجمهورية، واجراء انتخابات نيابية على اساس قانون 1960 وتشكيل حكومة وحدة وطنية. ولم يعد موضوع المحكمة مطروحاً للخلاف بعدما وافق المتحاورون برئاسة بري على قيامها لمعرفة الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه وبدأت اجراءات تشكيلها بتعاون بين لبنان ومجلس الامن، وصدور تصريحات ومواقف في خلال ذلك تدعم هذه الاجراءات منها مقال لوزيرة الخارجية الاميركية كوندوليسا رايز قالت فيه: "ان الشعب اللبناني يستحق ان يعرف الحقيقة الكامنة وراء الجرائم البشعة وهذا هو سبب الدعوة الى انشاء محكمة خاصة ذات طابع دولي لمصلحة اللبنانيين، لكن هناك في لبنان وفي اماكن اخرى من يريد ان يحرم الشعب اللبناني حقه في العدالة، فلجأ هؤلاء الى اساليب التهويل للحيلولة دون انشاء هذه المحكمة وقد اقاموا مخيماً حول السرايا الحكومية ودعوا الى ازالة الحكومة اللبنانية الشرعية المنبثقة من انتخابات ديموقراطية فالولايات المتحدة واصدقاء لبنان يؤمنون بأن اقرار المحكمة هو الخيار الافضل وان الهدف ليس كشف الحقيقة فحسب، وانما ايضاً تعزيز الاستقرار والامن في لبنان، وان الذين يودون عرقلة المحكمة رفضوا الدعوات المحلية والدولية لتقديم ملاحظاتهم حول المحكمة، وان اولئك الذين يخشون "تسييس" المحكمة هم انفسهم الذين سيّسوها من خلال ربط ولادة هذه المحكمة بمطالبتهم بحكومة جديدة، وختمت بالقول: "ان المجتمع الدولي سوف يستخدم كل الوسائل لتحقيق مزيد من العدالة ووضع نهاية لحملة الاغتيالات، ولقد كان الكثير من العائلات اللبنانية ان تفجع بمقتل احد ابنائها دون اي امل في العدالة، وان المحكمة الخاصة بلبنان ستساعد على انهاء هذه الحقبة الحزينة من حصانة الاجرام في لبنان".

وفي لقاء صحافي عقده رئيس بعثة المفوضية الاوروبية في بيروت السفير باتريك لوران دعا السياسيين اللبنانيين "الى مزيد من التعقّل للخروج من الأزمة" وشدد على اهمية المحكمة الدولية "التي تستمر ضغوط دولة كبيرة مجاورة لتعطيلها" وان الرجل السياسي يجب ان يخدم بلده لا حزبه او مصلحته الشخصية"، واوضح ان المحكمة الدولية "هي محور كل شيء" وان على اللبنانيين اذا تخلوا عنها سيكونون كمن يطلق النار على قدميه، فأهميتها بالنسبة الى لبنان هي في انها مسار للتطبيع القانوني، ومن هم ليسوا معها قد يكون لديهم نيات مبطنة او يخشون نتائجها عليهم في حين انها محكمة تحمي الجميع".

وتوالت التصريحات والاحاديث خلال فترة انشاء المحكمة، فألقى مندوب لبنان الدائم لدى الامم المتحدة السفير نواف سلام كلمة في جلسة مجلس الامن المخصصة لتقرير القاضي دانيال بلمار حول عمل لجنة التحقيق الدولية قال فيها: "كلما تقدمت لجنة التحقيق في بحثها عن الحقيقة واقتربنا من بداية عمل المحكمة لاطلاق مسيرة العدالة كلما ادركنا سر ديمومة هذه المحكمة القانونية للرومان القدماء "الحقيقة هي ام العدالة".

وقال البطريرك الكاردينال صفير في حوار صحافي معه رداً على اسئلة: "يفترض في المحكمة الدولية الا تكون مسيسة وان تبحث عن الحقيقة كما هي ويفترض فيها انها عادلة وحتى الآن لم يثبت لنا العكس. وحكمها سواء قبلنا او لم نقبل به فهو حكم محكمة دولية، وهي لا تسأل احداً عن الحكم الذي تصدره فالوقائع بين يديها، والعدالة عدالة ومن شأنها ان تقتص من المجرمين، ومهما كان الثمن، يجب ان تقوم بعملها".

وعندما بدأ الكلام على اقتراب موعد صدور القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، كثرت التصريحات والاحاديث وبنبرة مرتفعة جعلت الناس يتصورون ان الفتنة باتت على الابواب خصوصاً عندما قال الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في اطلالات اعلامية عديدة "لا نطلب ضماناً للمقاومة ولا نخاف المحكمة، ولن نسكت عن اي مؤامرة باسم التحقيق وان المحكمة اسرائيلية تسعى لاشعال فتنة في لبنان وان المقاومة لن تسكت على اي اتهام سياسي او اعلامي تترتب عليه امور كثيرة وخطرة" ورد الرئيس الحريري بالقول انه ضد اي محاولة لاجهاض المحكمة او المس بأمن لبنان وان قضية الرئيس الشهيد لن تكون سبباً للفتنة المذهبية "وكفى تأويلاً وتهويلاً".

وقال وزير العدل ابرهيم نجار في حديث له: لو صدر القرار الاتهامي وكان مستنداً الى وقائع يمكن التثبت منها، فليس لديه مانع من الاعتراف بصحته، وأكد ان ليس لديه اي معلومة عن اي قرار سيصدر ولا على ماذا يقوم ولا متى سيصدر ومن يتهم. واضاف "يجب ان يكون القرار موثقاً وجدياً ولا يجنح نحو التسييس لانه ليس هناك احد منا يريد المغامرة ببلاده من اجل النيل من خصم سياسي او خصم اقليمي. نحن نريد فقط الحقيقة بدون زيادة ولا نقصان، ومن شدة حرصنا على صدقية المحكمة، قد نكون من اشد المنتقدين لها عندما يصدر القرار الظني اذا لم يكن مستنداً الى وقائع، اذ تكون المحكمة عندئذ قد فقدت صدقيتها لا سمح الله".

ولم تمنع تأكيدات سابقة لرئيس المحكمة القاضي انطونيو كاسيزي وصدور كل ردود الفعل هذه وقوله فيها: "ان العمل سري والمعلومات تحت سلطة المدعي العام وهو الوحيد الذي سيقول الكلمة الفصل في القضية وان المحكمة ليس لديها سلطة ارغام الدول على التعاون كما ليس لديها ادواتها الخاصة كالشرطة، والسبيل الوحيد هو الاقناع عبر الطرق الديبلوماسية. واسف لمحاولات تسييس التحقيق الدولي ولوجود تصورات مغلوطة حول العمل، وان فشل المحكمة في عملها ليس احتمالاً مطروحاً اذ لا خيار امامنا الا النجاح وان سمعة القضاء الدولي معلقة على المحكمة وليس سمعة القضاة والفريق العامل فلا تسييس ولا تسريب ولا انتقائية ولا استنسابية، فالتحدي كبير ونحن مستعدون لمواجهته".

الواقع ان الاسئلة التي تطرح كثيرة منها: هل يمكن الهروب من المحكمة الدولية؟ هل يدخل التسييس المحكمة خدمة لمصالح دولية عليا؟ هل تتحول المحكمة الخاصة بلبنان محكمة بدون محاكمة؟ هل يخضع القرار الاتهامي لمساومات وضغوط فتواجه عوامل سياسية ومطبات امنية، وهل يوضع اللبنانيون بين خيار المحكمة والفتنة اعتماداً على نظرية المؤامرة ام تظهر الحقيقة والعدالة بدون فتنة ولا ثأر واي منطق يتغلب على الآخر: منطق المحكمة ام منطق الحكمة؟

لا شك ان القرار الاتهامي سواء صدر في موعده او تأجل، فهو يحدد وجهة سير الازمة، لان هذا القرار هو احد مصادر القلق في هذه المرحلة، خصوصاً اذا دخلت فيه لعبة الامم او البازارات المحلية والعربية والاقليمية والدولية، بحيث يجعل طرفاً يخاف من المحكمة وطرفاً يخاف عليها، فهل يكون ترحيل الازمة هو الحل الموقت في انتظار صدور القرار الاتهامي ليكون عندئذ لكل حادث حديث.

ان الجواب قد يأتي غداً في سياق كلمة الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، وفي هذا الجواب تعرف نتائج القمة الثلاثية السعودية – السورية – اللبنانية، ومسيرة الأزمة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل