#adsense

ترسيخ عودة سوريا إلى رعاية الإستقرار الداخلي

حجم الخط

جوانب إقليمية تواكب الأزمة وتضفي مزيداً من التعقيدات
ترسيخ عودة سوريا إلى رعاية الإستقرار الداخلي

لعل ابرز النتائج الاولية التي ادت اليها حملة الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله على المحكمة ذات الطابع الدولي التي تنظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وسعيه الى منع صدور القرار الظني المرتقب، انه رسخ عودة الدور السوري الى لبنان "مشرعناً" عبر قبول اجماعي به. فعلى رغم ان زيارة الرئيس السوري بشار الاسد والملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز لبيروت اضاءت على رعاية عربية مشتركة للوضع في لبنان، فإن كثراً يخشون ان تعود الامور لتترك لسوريا وحدها نتيجة اعتبارات وعوامل عدة. والخشية التي اثارها السيد نصرالله على الداخل اللبناني اعادت في شكل او آخر الى سوريا دور رعاية الاستقرار في لبنان بقبول داخلي حتى من قوى 14 آذار وصولاً الى المجتمع الدولي الذي ترك لبنان للرعاية السورية على مراحل بعيد انفجار الحرب في لبنان عام 1975 خوفاً من انهيار الوضع فيه. والمشهد نفسه يتكرر من حيث انزلاق اللبنانيين والسياسيين في الدرجة الاولى الى السياق نفسه بل الى السيناريو نفسه بعناصر مختلفة تستخدم لهذه الغاية. اذ في الوقت الذي تلهى اللبنانيون بمحاولة معرفة المقايضة التي ستعقد في مقابل عودة الاستقرار الى الداخل، لم يفت بعض المراقبين مشهد زيارة الرئيس السوري لقصر بعبدا محوطاً بالسياسيين من قوى 8 آذار و14 آذار على حد سواء.

ويخشى هؤلاء المراقبون غرق المسؤولين اللبنانيين ومعم الخارج في معالجة تداعيات مشكلة رسم معالمها "حزب الله" في شكل مباشر على الاقل، في حين ان ظاهر الامور يخفي الكثير من البواطن الاخرى. فالتسريبات التي ترددت بعد القمة الثلاثية في قصر بعبدا مثلاً حرصت على ابراز مدى تمسك سوريا بـ"حزب الله" وعدم سماحها بأن تطاله المحكمة تحت طائل العمل بقوة من اجل وقفها وانهائها، في ما بدا رداً على التفسيرات التي اعطيت لكلام السيد نصرالله عن سوريا في مؤتمره الصحافي الاخير، اذ فهم البعض من استعادة الامين العام للحزب التاريخ الحديث لقوى 14 آذار مع سوريا عدم قبوله بدور الوسط الذي تضطلع به دمشق، وهو الذي حمل لواءها خلال الاعوام الخمسة الماضية. وعززت بعض التصريحات الغربية والاميركية الاخيرة ودخولها على خط الازمة في لبنان تدعو فيها الرئيس السوري الى الاستماع الى ما سيقوله لها الملك السعودي والابتعاد عن ايران، الاقتناع بوجود مخاوف لدى الحزب في هذا البعد. وهذه المشكلة تكمن في تحريك عملية السلام على نحو جدي من خلال الانتقال الى المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين واسرائيل ودفع سوريا الى الانتقال من تحالفها مع ايران الى موقع آخر الى جانب العرب والسلام في المنطقة. ويعتقد البعض في هذا السياق ان "حزب الله" قد يكون قلقاً ليس من المحكمة ذات الطابع الدولي وحدها بل ايضاً مما تشكله مجموعة الضغوط عليه، فتضعضع موقعه وقوته ولو من دون نزع سلاحه. اذ ان دفع سوريا الى استئناف مفاوضات السلام واغراءها بذلك سيعد مؤشراً خطيراً يحذره الحزب. فسوريا لم تعد في حاجة الى مفاوضات غير مباشرة مع اسرائيل وملفها مع الدول العبرية في موضوع الجولان قد اتفق على معظم نقاطه. الا ان المعطيات الوحيدة التي تعوق استئناف المفاوضات هي مطالبة سوريا بفك ارتباطها بـ"حزب الله" وبالتنظيمات الفلسطينية الراديكالية. اذ ان حديث رئيس البرلمان الايراني علي لاريجاني كما كلام مسؤولين في "حزب الله" عن موضوع السلام بدا وكأنه يعكس قلقاً من هذا الاتجاه، في وقت بدأت ايران تشعر بتصاعد الحماوة واشتداد الخناق عليها نتيجة العقوبات الدولية عليها وتسعى الى احياء المفاوضات مع الغرب حول ملفها النووي من اجل كسب الوقت على ما يعتقد.

الا ان ثمة وجوهاً اقليمية متعددة اخرى لهذا كله تضفي غموضاً كبيراً او بالاحرى عدم وضوح ليس في موضوع تزايد حماوة الوضع الداخلي في لبنان على وقع تخوّف "حزب الله" من القرار الظني للمحكمة فحسب، بل كذلك على وقع مجموعة تطورات لا يملك المسؤولون اللبنانيون عناصرها كاملة. اذ ليس واضحاً مدى التزام الجانب الاميركي دفع المفاوضات السلمية قدماً، وما اذا كانت المسألة ككل، بما فيها موافقة العرب على معاودة المفاوضات المباشرة بين اسرائيل والفلسطينيين، تتصل بمساعدة الرئيس الاميركي باراك اوباما على تأمين عناصر خارجية للفوز في الانتخابات النصفية للكونغرس الاميركي اوائل تشرين الثاني المقبل. ام ان الامر يتعدى ذلك الى خطوات جدية ابعد مدى اضافة الى الهدف السابق. اذ انه على رغم الكلام على السعي الى ابعاد سوريا عن ايران، فإن الاميركيين انفسهم يتداولون وجهات نظر متناقضة في هذا الاطار، وخصوصاً في شأن ما تقوم به سوريا، علماً ان هناك اقتناعا لديهم بأنها ستبقى في ما يسمى محور الممانعة، اقله حتى ترى فرصة جدية للسلام تتيح لها الانتقال الى المحور الآخر. كل هذه الامور تضيف ضبابية على ضبابية الواقع اللبناني وحتى ما اذا كانت الحملات على المحكمة الدولية غاية في ذاتها ام انها تطول اهدافاً عدة تأخذ في طريقها المحكمة ايضاً. ومن الصعب الجزم بوجود من يقدم اجوبة لا يبدو ان احداً يملكها، لكن في الطريق الى ذلك هناك مكاسب وخسائر تترتب على افرقاء كثر.

المصدر:
النهار

خبر عاجل