#adsense

القمة التاريخية مع الوفاق والاستقرار وضد تغيير قواعد اللعبة… و “الانقلاب”!

حجم الخط

تنفّس اللبنانيون الصعداء، وهم يتابعون بكثير من الترحيب والارتياح، زيارة زعيمين عربيين كبيرين إلى بيروت، وانعقاد قمّة ثلاثية استثنائية في قصر بعبدا، عنوانها الوحيد: الحفاظ على الاستقرار في لبنان!·

بعد موجات التصعيد والتوتير المتتالية، وبروز مناخات الترقّب والقلق التي حاصرت أجواء الهدوء والاستقرار، وكأن القرار الاتهامي قد صدر عن المحكمة الدولية، وكأن حكم الاتهام والتجريم قد حُسم، كان لا بدّ من مبادرة عربية تستبق اندلاع فتنة جديدة في الوطن الصغير، قد يصل لهيبها إلى اكثر من ناحية في الوطن الكبير المسيج بسلسلة طويلة من الأزمات والمشاكل المعقدة·

والمفارقة الغريبة في <بلد الحرية والديمقراطية> أن الأطراف السياسية فيه سريعة الانزلاق إلى ساحات التوتير والمواجهة، عند كل منعطف خلافي، بدل التوجه إلى قاعات الحوار والنقاش، للبحث عن سبل معالجة الخلافات، بأساليب حضارية، وعبر صيغ سياسية خلّاقة، تُعزّز الثقة، وتُصلّب بنيان الهيكل، عوض تعريضه للاهتزاز كلما <دقّ الكوز بالجرة>!·

وإزاء انقطاع الحوار بين اللبنانيين في ظل الأزمة المستجدة والمتفاقمة، كان لا بدّ من حوار عربي – عربي يحفظ للشقيق الأصغر توازنه واستقراره، ويبتعد به عن حافة الانهيار، التي يحلو للبعض أن يُلوّح بها لفرض مواقفه على الآخرين·

وباختصار، إزاء العجز اللبناني عن معالجة الخلافات وصون الاستقرار، سقطت كل الاعتراضات على أي تحرك عربي باتجاه لبنان، وفقدت كل التحفظات مبرراتها ضد أي دور عربي هدفه إعادة اللبنانيين إلى طاولة الحوار، وسحب خلافاتهم وصراعاتهم من الشارع!·

* * *
زيارة الملك عبد?الله بن عبد?العزيز والرئيس بشّار الأسد لم تكن مناسبة عادية، بقدر ما كانت حدثاً كبيراً ومهماً يُحاكي المخاطر المصيرية المحدقة بالبلد، في حال استمرت وتيرة التصعيد والتوتير، وانقطاع الحوار بين الأطراف الأساسيين، وخاصة بين تيّار المستقبل و?<حزب الله>·

ويمكن القول إن التحرّك السعودي – السوري السريع نجح في نزع فتيل الانفجار في الوطن الصغير، وأعاد الأمور إلى مربّع التهدئة، تمهيداً للانتقال إلى الحوار المنشود بين الفرقاء المعنيين في الداخل، وإفساحاً في المجال للمباحثات التي لا بدّ منها مع عواصم القرار الدولي في الخارج·

وليس جديداً القول إن ملف المحكمة الدولية خرج من الدائرتين اللبنانية والعربية، بعدما عصفت الانقسامات باللبنانيين، وعجز لبنان عن إقرار نظام محكمة لبنانية بمشاركة دولية، بسبب انسحاب وزراء المعارضة من حكومة السنيورة الأولى، وإغلاق مجلس النواب، الأمر الذي أدى إلى وضع المحكمة الدولية تحت سلطة مجلس الأمن الدولي، وامتداداتها في عواصم القرار الدولي·

ورغم عدم تحديد موعد رسمي ونهائي لصدور القرار الاتهامي، فان أي بحث مع المحكمة لا بدّ أن يمر مع الأمم المتحدة، وبعض دوائر القرار الدولي، الأمر الذي يحتاج إلى بعض الوقت، وإلى كثيرٍ من الحكمة والتروي!·

* * *
وبعيداً عن أحاديث الصفقات والتسويات، لا بدّ من التأكيد بأن لا <ولي الدم>، ولا جمهور رفيق الحريري العريض، من هواة الفتن، أو محترفي الصراعات مع الشركاء في الوطن وفي المصير، بل العكس هو الصحيح، لأنهم يتصرّفون، تاريخياً، في الملمات وكأنهم <أم الصبي>، لا يتأخرون عن أية تضحية من أجل وحدة البلد واستقراره، ومن أجل الحفاظ على العروة الوثقى مع أبناء المجتمع الواحد، والوطن الواحد·

ومثل هذه النوايا الطيبة يجب ان تُقابَل بمثلها من الطرف الآخر، الذي ما زال يستسهل لغة التهديد والتهويل والتخوين بل اعتماد أساليب الحوار والاعتدال والانفتاح في طرح الموضوعات الحسّاسة والقضايا الشائكة، وكأن بعض اللبنانيين لم يتعلّم بعد من دروس وعبر التجارب المريرة السابقة، والتي أكدت على مرّ التاريخ، أن القوة لا تحل الأزمة، وأن الاستفزاز لا يَصلُح لمعالجة قضية شائكة، وأن لا أحد يستطيع أن يُلغي أحداً في لبنان، وأن لا أحد يقدر أن يأخذ أو أن يُصادر دور أحد!·

* * *
لقد أكدت الزيارة التاريخية للعاهل السعودي والرئيس السوري إلى بيروت، والبيان المشترك الصادر عن القمة الثلاثية التي ضمّت الرئيس ميشال سليمان، أن لبنان ليس ساحة متروكة لتصفية حسابات الآخرين على أرضه، انطلاقاً من أن أمن الوطن الصغير هو جزء من أمن الأمة الكبرى، وتأكيداً على أن الحوار بين اللبنانيين هو الطريق الأجدى للحفاظ على الوفاق والاستقرار، في بلد وضعه القدر على خط الزلازل الإقليمية والصراعات الدولية في المنطقة·

والقراءة السياسية لبيان القمة، وما حمله النص المختصر من مدلولات كبيرة تُشير بوضوح إلى رفض سعودي – سوري، ومعهما رفض عربي مطلق لكل ما يُعرّض الوضع اللبناني للاهتزاز، والتمسك بقواعد النظام التي ارسى اسسها اتفاق الطائف، وفي الحفاظ على الوفاق السياسي الذي كرّس مبادئه اتفاق الدوحة·

لقد رفضت الدولتان الأكثر نفوذاً في لبنان، السعودية وسوريا، ومعهما الشرعية اللبنانية كل محاولات تغيير قواعد اللعبة، التي بشّر بها العماد ميشال عون في الأسابيع الأخيرة، بدءاً من إسقاط حكومة الوحدة الوطنية، واستدراج سلاح <حزب الله> إلى الشارع من جديد، وصولاً إلى السيطرة على المناطق المسيحية، ثم التفرد بحكومة من لون سياسي واحد، على غرار ما حصل في غزة·

فإلى جانب التذكير بإنجازات اتفاقي الطائف والدوحة، أكّدت القمة الثلاثية على استمرار نهج التهدئة والحوار، والالتزام بعدم اللجوء الى العنف، وتغليب المصلحة الوطنية على أي مصلحة فئوية أو فردية، والاحتكام إلى الشرعية والمؤسسات الدستورية، وإلى حكومة الوحدة الوطنية لحل الخلافات·

وهذا النص الواضح والحاسم يعني أن القمة أسقطت <منطق الانقلاب> الذي طرحه العماد عون مؤخراً على قيادة <حزب الله>، للإطاحة بقواعد اللعبة الديمقراطية في البلد، علّه بذلك يُزيل الحواجز الدستورية التي حالت دون وصوله إلى قصر بعبدا·

* * *
يبقى السؤال الذي يشغل الكثير من اللبنانيين:

هل يتجاوب <حزب الله> مع دعوة القمة <للتهدئة والحوار وتغليب مصلحة لبنان العليا على أي مصلحة فئوية أو فردية>؟·

إن الحكمة تقتضي من كل الأطراف المعنية، وليس <حزب الله> وحده، تغليب منطق الحوار العقلاني، والتزام التهدئة، والإقلاع عن التهديد باستخدام العنف، لإعطاء الفرصة المناسبة للجهود العربية لتصل إلى خواتيمها المنشودة، وتجاوز مطبات وضغوط الإدارة الأميركية، ومحاولات الأجهزة الإسرائيلية في عرقلة الوصول إلى حل للأزمة الحالية، يحفظ استقرار لبنان، ويُعزّز تماسك جبهته الداخلية·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل