#adsense

بيان اليأس..

حجم الخط

ما هذه الموجة الحرارية يا إخوان. وما هذا الذي يحصل في ربوعنا المفتوحة على الهبّات الموسمية الآتية من خارج؟ وكيف صار عصياً على جبالنا الخضر وروابينا "درّة الشرقين" ردّ ذلك المدد الملتهب وصدّه ومن ثم تلطيفه وتحويله الى نسائم تنعش قلب الولهان؟

كأن الدنيا بما فيها تعاندنا. وكأن عجز مناخنا يأتي ليكمل عجز مناعتنا. وكأن هذه غير كافية في الأصل فجاءت تلك لتكمل العقد وتعلي بنيان التشليع.
بلادٌ مفتوحة على المطبّات والهزّات: إهتزّ بنيانها المؤسساتي بفعل عشرات الحروب المدمّرة، واهتزت جغرافيتها بفعل تخريب بيئي لا مثيل له تحت الأرض وفوقها، وفي البر والبحر وسهله الممتنع.. واهتزت كيانات أبنائها بفعل تربية منحوسة شبّت على افتراض الفرادة وتغذّت على الدم وإخماد شغف الحياة وإعلاء شأن نقيضها، واهتز بنيانها الجامع لصالح هويات وهوايات تفتيتية خاصة بأصحابها، واهتزت قيم وأصول حفظت مكرمة الوسطية لصالح نواميس التطرف، واهتزت معها مكرمة العيش المشترك لصالح التنظير لسيئة الاحتباس الجغرافي والطائفي والمذهبي.. بلادٌ إهتزت بعبادها في الإجمال، ثم اهتزت بمناخها وكأنها تكاد تقول ان الاستقالة من هذه الدنيا أسلم من حتمية اليأس والانتحار!

بلادٌ ركبها النقصان والشعور بالدونية. اعتادت على قلّة الثقة بالنفس والروح وعلى استئجار واستحضار نفوس غيرها تعويضاً لها عن تلك الثقة المدعوسة، وامتهنت الركون لكسل التطرف وصارت في حاجة لهمّة الغير لتذكيرها بحالها الاعتدالي، وامتهنت الاستقالة من وظائفها الموازية لكرامتها وصارت في حاجة الى من يعيد تذكيرها ببعض بديهيات الأوطان وشروط تلك الكرامة، واعتادت على الإقامة في برج بابل بعد أن كانت تتباهى بأبراجها الثقافية والفنية والإنشائية والعمرانية والإبداعية المسوّرة بالخيال وسحره الطاغي.. واعتادت على "الإبداع" في ترقّب وعود الخراب ومستحقات المقابر بعد أن كانت مدمنة عيش يكفي الأرض بما عليها.. نخرتها سوسة النحس بعد أن كانت توزّع خرز العيون لحماية الحظوظ الطيبة، وأصابتها لعنة "المسألة الشرقية" المعهودة بعد أن كانت التجسيد الآخّاذ لنقيضها..

بلادٌ كأنها تيبس تحت وطأة لعنة سوداء لا دواء لها، ومنها لا شفاء، وكأنها صارت "منذورة" للعتم بعد أن كانت مشتلاً للنور وشمس بريقها لا تغيب، و"منذورة" لليأس بعد أن كانت مرتعاً للرجاء، و"منذورة" للحزن بعد أن كانت شقيقة للفرح وبنتاً للدنيا وبهرجتها.
يا رب العالمين يا الله: تلطّف ببلاد أنت أدرى بحالها، وبعباد أنت أدرى بهم…

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل