إعداد الخبير القانوني المحامي جورج ابو صعب: ان الحملة الاستباقية التي شنها "حزب الله" منذ اسابيع ضد المحكمة الدولية والقرار الظني "العتيد" وما سيق في اطار هذه الحملة من اتهامات وافتراءات على المحكمة والتحقيق والادعاء العام لا اساس لها من الصحة القانونية والاجرائية – ما جعلنا نتساءل عما اذا كان الحزب وامينه العام وحلفاؤهم قد قرأوا جيدا نظام هذه المحكمة واطلعوا حقيقة على الوقائع والحقائق التي احاطت بمسيرة المحكمة منذ نشأتها.
ففي استنتاج اولي نستطيع التأكيد من ناحية مبدئية لا غبار عليها ان النصوص والحقائق القانونية والاجرائية التي مرت بها المحكمة الدولية والتي تحكم اعمال ونشاطات تلك المحكمة في مختلف اختصاصاتها لا تأتلف البتة مع ادعاءات واتهامات "حزب الله" وحلفائه للاسباب الاتية:
اولا : بطلان طلب لجنة لبنانية قضائية للتحقيق مع شهود الزور:
=====================================
بتاريخ 8 نيسان 2009 تنازلت السلطات اللبنانية الى المحكمة عن اختصاصاتها في التحقيق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وبالتالي بنتيجة هذا التنازل اصبح لمكتب المدعي العام الاسبقية على المحاكم اللبنانية في التحقيق في هذه القضية.
وهذا التنازل الذي منح المدعي العام الدولي اختصاصا حصريا في التحقيق يعني ان كافة اعمال التحقيق والاستقصاء ومنها الاستماع الى ما سمي بـ "شهود زور" وسواها من اعمال تدخل من ضمن صلاحيات التحقيق القضائي وبالتالي صلاحيات القاضي بلمار بصفته المدعي العام المفوض الصلاحيات الحصرية بالتحقيق بموجب تنازل الدولة اللبنانية المشار اليه.
في حزيران 2009 وافقت لجنة الادارة على منح المدعي العام الدولي تسريع عمل ووتيرة التحقيق من قبل المدعي العام بناء لطلبه لمدة سنة واحدة، وقد بدأ العمل بالتسريع اعتبارا من شهر ايلول 2009 بناء على ذلك.
واكثر من ذلك نشير الى ان الفقرة (5) من المادة (11) من النظام الاساسي للمحكمة تسمح لها باجراء التحقيقات واذا اقتضى الامر من دون مساعدة السلطات اللبنانية القضائية والادعائية – اي ان دور السلطات اللبنانية هو مساعدة المدعي العام في التحقيقات، وليس الحلول مكانه او تولي اي عمل يدخل ضمن اختصاصه التحقيقي.
وبالتالي فإن طرح لجنة قضائية لبنانية للتحقيق مع شهود الزور مخالف لنظام المحكمة الدولية ولاتفاقات الدولة اللبنانية مع المحكمة والامم المتحدة ولا اساس قانوني له.
ثانيا : بطلان رفض المحكمة وما يصدر عنها من قرارات او طلبات:
=====================================
ان لبنان مقيد قانونا بما يصدر عن المحكمة الدولية ومنها التحقيق الدولي من قرار اتهامي (وليس ظنيا كما يشاع خطأ)، كما هو مقيد قانونا بالمحكمة دون سواها كولاية الزامية وحصرية للتحقيق ومحاكمة قتلة الرئيس الشهيد ورفاقه كما اسلفنا.
فعملا بالمادة (4) فقرة (1) من النظام الاساسي بات للمحكمة الدولية بقوة القانون اسبقية ضمن اختصاصها على المحاكم الوطنية في لبنان – ما يعني ان المحكمة الخاصة بلبنان تحتل مرتبة سامية تعلو على سائر المحاكم والسلطات القضائية في لبنان وتلزم بالتالي السلطات اللبنانية والدولة ككل.
كذلك وعملا باحكام الاتفاق الموقع بين لبنان والامم المتحدة الذي دخل حيز التنفيذ بموجب القرار الدولي رقم (1757 لسنة 2007 ) والذي بدوره بني على الفصل السابع من ميثاق المنظمة الدولية بلزم لبنان بما يسمى "التعاون العمودي"، بحيث ان القرار الدولي المشار اليه يلزم "السلطات اللبنانية" بالتعاون مع المحكمة وبالتالي يتوجب عليها الامتثال ومن دون تأخير لاي طلب مساعدة او امر صادر عن المحكمة.
وبالتالي لا صحة قانونيا لما قيل واعلن من ان لبنان يمكنه رفض المحكمة ورفض الامتثال لما تطلبه او تأمر به، ومنه رفض الجيش والسلطات الامنية الشرعية تنفيذ اي امر بالقبض على اي مشتبه او ما قد تحاول المعارضة وعلى رأسها "حزب الله" اجراءه من تعديلات حكومية بهدف عرقلة ومواجهة القرار الاتهامي واعمال المحكمة مستقبلا – لان من شأن هذا الرفض وهذا التمرد على النصوص الدولية والقضائية ان يرتب على لبنان مسؤولية قانونية ودولية خطيرة سنفصلها وفق الآتي:
أ- ان قواعد عمل المحكمة في المادة (20) منها تنص في حال رفض لبنان الامتثال لاي طلب او امر من المحكمة الخاصة به خطوة اولى تبدأ بتشاور رئيس المحكمة مع السلطات اللبنانية المعنية بهدف الحصول على التعاون المطلوب.
ب- في حال استمر الرفض اللبناني بالتعاون، يعد قاضي الاجراءات التمهيدية او غرفة الدرجة الاولى محضرا قضائيا بعدم التعاون – اي ان مسؤولية لبنان الرسمي تصبح قاب قوسين من كشفه دوليا وقانونيا وقضائيا.
ت- يحيل رئيس المحكمة المحضر القضائي المشار اليه اعلاه الى مجلس الامن لاتخاذ الاجراءات المناسبة تحت الفصل السابع – وهنا تكتمل عملية تجريم لبنان سياسيا وديبلوماسيا بعد انكشافه قانونيا وقضائيا نتيجة اي رفض احتمالي بالتعاون .
وبالتالي ان نظرية رفض المحكمة وعدم الامتثال لقراراتها وسواها من مواقف وادعاءات وتصاريح تطلق في سياق الفكرة باطلة قانونيا وغير مبنية على اساس قانونية صحيحة لان لبنان ملزم قانونيا ودوليا وقضائيا بالتعاون وتنفيذ اوامر وتعليمات وطلبات المحكمة وكافة اجهزتها.
ثالثا : بطلان البناء على شهادات زور لاستباق القرار الاتهامي ونسفه:
=========================================
بغض النظر عن عدم جدية ما يثار بموضوع شهود الزور المزعومين الذين لم يبت الى الان بمصير افاداتهم قضائيا – وعن مدى تسييس هذه الجزئية في خطاب الحزب وحلفائه لمحاولة ضرب المصداقية القانونية والعلمية للمحكمة الخاصة من باب ضرب صدقية التحقيقات وافشال اعمال المحكمة والتحقيق والادعاء العام – فاننا نتوقف عند القواعد القانونية التي تعري لوحدها ومن تلقاء نفسها المدعين بتأثير شهادات الزور على التحقيق وتضليله وتسييس التحقيق من قبل بلمار وسواها من اضاليل سياسية التوجه والمغزى والاهداف – وفقا للاتي:
1- من بين الصلاحيات القانونية التي يتمتع بها قاضي الاجراءات التمهيدية فان له دور رقابي على اعمال التحقيق والمدعي العام عامة : فاستنادا الى احكام المادة (7) فقرة (أ) والمادة (18) من النظام الاساسي وما تليها، فان من صلاحيات قاضي الاجراءات التمهيدية "تقييم التهم التي يوجهها المدعي العام والواردة في قرار الاتهام واذا اقتضت الحاجة"… "مطالبة المدعي العام بتخفيض هذه التهم او باعادة تصنيفها" …"استجواب الشهود الذين لم تكشف هويتهم"…
2- عملا باحكام المادتين (20) و(21) فقرة (1) يمنح نظام المحكمة قضاة الغرفة الاولى البدائية (غرفة الدرجة الاولى) دورا فاعلا خلال الاجراءات باعتبار انهم سيقودون عملية استجواب الشهود – كما يمنح القضاة صلاحيات استدعاء الشهود او الامر بتقديم ادلة اضافية – بالاضافة الى ان النظام يفرض نمطا للاستماع الى الشهود بما يتوافق مع النظم التحقيقية.
3- عملا باحكام المادة (21) فقرة (2) من النظام الاساسي تتمتع المحكمة بالسلطة القانونية لقبول واستلام الادلة الخطية من دون استدعاء الشاهد شخصيا ومن دون اخضاعه للاستجواب المضاد – كما ان المادة (155) من القواعد تجيز قبول الافادات الخطية والنصوص المدونة بدلا من الشهادة الشفهية طالما انها لا تتعلق بافعال المتهم او سلوكه كما هي مدونة في قرار الاتهام.
4- وعملا باحكام المادة (156) من القواعد تجيز قبول الافادات الخطية من الشهود الحاضرين جلسات المحاكمة والمستعدين للادلاء بشهادتهم والخضوع لاستجوابهم المضاد – كما يجوز قبول الافادات الخطية او النصوص المدونة للاشخاص المتخلفين عن الحضور بحسب المادة (158) من القواعد.
5- عملا باحكام المادة ( 93) من القواعد يمكن للشاهد الذي لم يتم الكشف عن هويته والذي قد يكون حضوره في المحاكمات حاسما ان يدلي بشهادته في غرفة المذاكرة اما قاضي الاجراءات التمهيدية بحيث يكون القاضي وحده من يعرف هوية الشاهد – بالاضافة الى امكانية توجيه اسئلة خطية الى الشاهد من قبل ممثل المتضررين والدفاع عن طريق قاضي الاجراءات التمهيدية – كما ان المادة (159) من القواعد تجيز لغرفة الدرجة الاولى القبول بافادة ادلى بها شاهد لم تكشف هويته ولكن من دون ان تستند المحكمة في ادانتها الى هذا الشاهد.
فهذه القواعد مجتمعة ان اثبتت شيئا، فهي تثبت امرين اساسيين لا بل جوهرين:
الاول: ان المدعي العام ليس المرجع النهائي الذي يقرر اعتماد شهود – وبالتالي وعلى افتراض جدلي ان ثمة شهود زور في تحقيقه، فإن مجمل تحقيقه والادلة التي بني عليها قراره الاتهامي سيعاد درسها ونقضها من قبل القاضي الجالس في المحكمة الخاصة. وبالتالي فإن المحكمة القادرة على اعادة مناقشة كافة الادلة والشهادات هي القادرة وحدها بعد النقاش وتبادل الفرقاء للدفوع والدفاع في تحديد مصير هذا الدليل او ذاك هذه الشهادة او تلك.
الثاني: ان الشهادات والافادات للشهود يمكن ان تكون عن بعد وبالصيغة الكتابية – ما يبطل مفعول اي تراجع عن افادة ما لم يعتمد وفقا للصيغ المعمول بها في المحكمة، اما بالمثول والتراجع عن افادات سابقة واما بارسال افادات كتابية لتبني المحكمة عليها وتقرر ما اذا كنا امام شهود زور ام لا بعد دراسة تقاطع افادات من يعتبرون انفسهم او يعتبرهم اي طرف في المحاكمة شاهد زور مع افادات وسائر ادلة التحقيق الاخرى – فليس عبر وسائل الاعلام وبقرار من الشاهد نفسه يعتبر الشاهد شاهد زور – بل لا بد من اتباع الاجراءات القانونية لتثبيت زور الشهادة امام القضاء او عدمه.
وفي هذا السياق ايضا نشير الى ما جاء في تقرير رئيس المحكمة القاضي كاسيزي المرفوع الى الامين العام للامم المتحدة ودولة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري في البند (192) منه حيث جاء ما حرفيته : "… ويمكن لمكتب المدعي العام ان يقدم تقريرا عن المؤشرات الاتية بشأن التقدم بالتحقيق وذلك في نطاق التزامه بالقيود الضرورية لحماية سرية التحقيق : أ)- سحب بعض الادلة والمعلومات غير الموثوق بها بعد استعراض مستفيض للمواد التي تم جمعها طيلة فترة التحقيق …ج)- الحصول على معلومات اضافية لتأييد واقعة ان مرتكبي الاعتداء نفذوه بالاشتراك مع مجموعة اكبر …ه)- مواصلة التوسع في التدقيق في الادلة المتصلة بعناصر الترابط بين الاعتداء على الحريري والاعتداءات الاخرى …و)- وتطوير مصادر معلومات جديدة واستثمارها …" ما يؤكد بدوره امرين:
الاول : ان التحقيق الجاري لا يستند بالمطلق على كل ما يقوله الشهود لا بل ان الاستماع الى الشهود بات وسيلة شبه ثانوية امام اساليب ووسائل اثبات اخرى متطورة ومتقاطعة المعطيات.
الثاني: ان التحقيق تخلى عن الكثير من المعطيات والادلة التي عرقلة او أخرت او ضللت التحقيق والبحث عن الحقيقة وقد اتى تأكيد رئيس المحكمة الخاصة في تقريره ليؤكد تغيرات جذرية في اساليب ووسائل ومعطيات ومعلومات التحقيق وسياقه.
وبالتالي ان الاعتداد بشهود الزور المزعومين – وعلى افتراض صحته – الا انه لا يشكل اي مبرر لاعتبار التحقيق والقرار الاتهامي مستند الى افادتهم – وبعبارة اخرى واذا كان اصغر مواطن لبناني اليوم في اقاصي القرية يعلم بأمر شهود الزور وبما عادوا ونكروه من اقوال سابقة لهم – فكيف بالمدعي العام في المحكمة الخاصة والذي تصله اول باول كافة المواقف ليبني على الشيء مقتضاه – فكيف يمكن لاي احد ان يثبت لنا ان القرار الاتهامي يستند الى شهود الزور هؤلاء في ظل اعادة نظر التحقيق بالكثير من الاقوال الافادات والادلة كما يؤكد تقرير رئيس المحكمة؟
ويهمنا التذكير في هذا الاطار ان شهود الزور الذين يتكلمون عنهم ليسوا في حقيقة الامر سوى رجال مخابرات سورية كان من مصلحة سوريا عندما كانت اصابع الاتهام تشير اليها في ان تزج بهم في افادات مفبركة لتضليل العدالة الدولية وعرقلة تحقيقاتها وافشال التحقيقات. وقد فجرت في وجه اللجنة الدولية المحققة فضيحة اصطنعتها المخابرات السورية لضرب صدقية ومصداقية التحقيق والبحث عن حقيقة قتلة الرئيس الشهيد الحريري ورفاقه.
رابعا : عدم تقيد التحقيق القضائي بالتحقيق الدولي السابق :
==================================
1- ان المحكمة الخاصة بلبنان بدأت عملها في اوائل شهر اذار 2009 – بينما لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للامم المتحدة انشئت في 7 نيسان 2005 بموجب القرار الدولي رقم (1595) وقد كانت مهمتها مساعدة السلطات اللبنانية في التحقيق الذي تجريه – وقامت اللجنة الدولية في حينه بجمع ادلة ومعلومات وضعتها بتصرف السلطات اللبنانية – وقد اعتمدت اجراءات تحقيق مغايرة تماما لتلك المعتمدة في المحكمة الخاصة بلبنان بصراحة النصوص وباقرار القيمين على المحكمة وعلى رأسهم الرئيس كاسيزي في تقريره الاخير عن السنة الاولى من اعمال المحكمة.
2- فالتحقيق الدولي السابق مخالف قانونيا وتقنيا للتحقيق القائم به اليوم المدعي العام في المحكمة – ويكفي ان نشير في هذا الاطار الى المادة (19) من النظام الاساسي للمحكمة والتي تعطي الصلاحية الكاملة لدوائر المحكمة في الفصل في مقولة الادلة التي جمعتها لجنة التحقيق الدولي السابقة والسلطات اللبنانية معها عملا بالمعايير الدولية القضائية المتعلقة بجمع الادلة ويعود بالتالي لدوائر المحكمة ان تقيم هذه الادلة – ومن ضمنها افادات الشهود على اختلافهم ومعلومات شبكات الاتصالات – علما ان امام الدوائر في المحكمة والمدعي العام تحديدا حوالي 400 شاهد مع افاداتهم وليس الامر مقتصرا على 4 شهود تضج بهم مواقف "حزب الله" وحلفائه …
3- وبالتالي وعملا بنظام المحكمة الاساسي لا تقييد ولا التزام من قبل التحقيق القضائي الدولي بتحقيقات لجنة التحقيق الدولي السابقة وبتحقيقات السلطات اللبنانية – وبالتالي من الخطأ الايهام او الاشارة الى ان المدعي العام بلمار ودوائر المحكمة الخاصة بلبنان يكررون او يستندون الى معطيات اللجنة الدولية والسلطات اللبنانية – اذ لو كان الامر كذلك لاحتاجت المحكمة الى اكثر من اسابيع لاعلان قرارها الاتهامي، ولما اشار الرئيس كاسيزي في تقريره السنوي الى الصعوبات التقنية والقانونية التي يواجهها التحقيق (البند 71 وما يليه من تقرير الرئيس). كما لما اشار الى اعادة النظر في الكثير من الادلة والمعطيات من قبل المدعي العام ودوائر تحقيق المحكمة.
4- ونشير في هذا السياق الى افضل مثال واقعي حول عدم تقيد التحقيق القضائي الدولي بالتحقيق الدولي في موضوع توقيف الضباط الاربعة واطلاقهم بعد اربع سنوات ونلاحظ ما يأتي:
أ- عملا باحكام المادة (4) فقرة (2) من النظام الاساسي للمحكمة طلبت المحكمة من السلطات اللبنانية بتاريخ 25 آذار 2009 من خلال المدعي العام وقاضي الاجراءات التمهيدية تنازل السلطات اللبنانية عن اختصاصاتها في قضية اغتيال الحريري – فابلغت السلطات اللبنانية المحكمة بموافقتها وبتوقيفها اربعة ضباط في لبنان في اطار تحقيقات لجنة التحقيق الدولية.
ب- وفي 15 نيسان 2009 اصدر قاضي الاجراءات التمهيدية امرا الى المدعي العام بتحديد مهلة زمنية لايداع استدعائه بشأن احتجاز الضباط الموقوفين.
ت- وبعد موافقة المدعي العام اصدر قاضي الاجراءات التمهيدية بتاريخ 29 نيسان 2009 امرا بالافراج عن الاشخاص الاربعة الموقوفين في لبنان. واشار القاضي الى ما تضمنه استدعاء المدعي العام من انه "…لم تكن لديه ادلة كافية لتوجيه الاتهام الى الاشخاص الاربعة او لتبرير ابقائهم قيد الاحتجاز …". وقد اشار قاضي الاجراءات التمهيدية في سياق قراره بالافراج عن الضباط الاربعة الى انه "… كان عليه التدقيق في ممارسة السلطة التقديرية للمدعي العام للتأكد من عدم كونها غير منطقية…".
ث- عندما تنازل لبنان عن اختصاصه لصالح المحكمة الخاصة قام رئيس مكتب الدفاع بزيارة الضباط الاربعة في بيروت، فالتقى شخصيا ثلاثة فيما رفض الرابع لقاءه، ومن ثم عين رئيس المكتب محامي دفاع عن المحتجزين وطلب رئيس المكتب من رئيس المحكمة ضمان الحقوق الاساسية للمحتجزين وحماية هذه الحقوق. مما ادى الى اصدار رئيس المحكمة امرا بتحسين ظروف احتجازهم بينما كان قاضي الاجراءات التمهيدية والمدعي العام يتعاونان للبت في موضوع توقيفهم كما اسلفنا اعلاه. وكان لمكتب الدفاع دور هام في طلب اخلاء سبيل الموقوفين الاربعة اثناء جلسة النظر باستدعاء المدعي العام امام قاضي الاجراءات التمهيدية – وقد اسفرت الجلسة كما اسلفنا اعلاه الى امر من قاضي الاجراءات التمهيدية باطلاق الضباط الاربعة.
وبالتالي ان المحكمة اثبتت عدم تسييسها واعتمادها فقط على المعايير القانونية القضائية الدولية في التصدي لموضوع الضباط الاربعة – كما ان المحكمة والمدعي العام اثبتا عند اول امتحان فعلي لهم وقوفهم الى جانب منطق الحق والقانون من دون اي خلفيات سياسية.
والجدير ملاحظته ان المحكمة وفور تلقيها الصلاحيات القانونية بالسير في ملف اغتيال الرئيس الحريري اثر تنازل لبنان السيادي عن متابعة القضية لصالح المحكمة لم تتأخر في الفصل في موضوع الضباط الاربعة، ما يعني ان المحكمة ليست التحقيق الدولي ولا يمكن تحميلها قانونيا تبعات جهاز سابق لا يمت بصلة اليها لا اجرائيا ولا تسلسليا ولا قضائيا كما صار شرحه واثباته اعلاه، لا بل لها صلاحيات نقضه وتعديله وغض الطرف لاعنه حتى بسلطانها التقديري القضائي الموضوعي.
فالمشكلة اليوم لدى "حزب الله" انه يحمل المحكمة الاعدل والاضمن والاكثر شفافية له ولحلفائه مسؤولية اعمال تحقيق سابقة لها لا دور لها فيه ولا علاقة لها بها ليعود ويتهمها بالتسييس والتلاعب …
خامسا : عدم اتكال التحقيق القضائي الدولي على الشهود:
===================================
جاء في التقرير السنوي لرئيس المحكمة (البند 91) ما حرفيته :"… نادرا ما يستطيع المحققون الاعتماد على الشهود المطلعين على الاسرار الداخلية او الخونة …"، كما جاء في البند (92) ما حرفيته: "… تبين خبرة المحققين الوطنيين في تعقب المجموعات الارهابية انهم غالبا ما يعتمدون على:
أ- سجلات الاتصالات ومراقبة خطوط الهواتف والهواتف الخليوية.
ب- مراقبة المحادثات في الاماكن العامة والسيارات والمنازل والسجون …
ت- مراقبة الانشطة الالكترونية للتحقق من حركة الانترنت وامكانية تحميل الرسائل او الفيديو او غيرها من المواد.
ث- مراقبة الرسائل الالكترونية وغيرها من المستندات الخاصة بالارهابيين المحتجزين.
ج- دراسة مفصلة للخبراء لموقع الجريمة.
ويردف التقرير في البند (92) منه: "… يمكن ان تكون الادلة الجنائية كالحمض النووي مفيدة في الحالات النادرة التي تتطابق فيها اثار الحمض النووي التي تم العثور عليها في موقع الاعتداءات الارهابية مع الحمض النووي الخاص بالمشتبه بهم …".
ويختتم التقرير في هذا الفصل في البند (93) بالاشارة الى "… لعل هذه الملاحظات المقتضبة تساهم في ادراك بعض من المشاكل والتحديات المعينة التي تواجه مكتب المدعي العام في المحكمة ولا بد ان يحدد الوقت اللازم لاجراء التحقيق في القضايا الداخلة ضمن اختصاص المحكمة نسبة لهذه التحديات …".
فمن مجمل اقوال رئيس المحكمة اعلاه نستنتج ما يأتي:
اولا: ان التحقيق الذي يتم مع المدعي العام يستند الى قواعد علمية وجنائية موضوعية لا تسييس فيها ولا توجيه سياسي للتصويب من خلالها باتجاه اي طرف لبناني قصدا.
ثانيا: ان الاستغراق الزمني في عمل المحكمة والمدعي العام لاكبر ضمان على علمية وشفافية وموضوعية العمل الجاري وفق المعايير الدولية قضائيا وتحقيقيا.
ثالثا: ان الاستماع الى الشهود ليس نقطة ارتكاز في التحقيق القضائي عن حادث ارهابي كما جريمة اغتيال الرئيس الحريري، اذ لدى المحكمة وسائل واساليب اخرى متعددة عبر عن بعضها الرئيس في تقريره – وبالتالي ليس الاستماع الى الشهود او افادة الشهود لوحدها اساس لبناء قناعات لا بل يستغنى عنها في معرض الحوادث الارهابية كما شرح رئيس المحكمة في تقريره .
سادسا : المتهم بريء حتى اثبات العكس في اجراءات المحكمة:
====================================
ان "حزب الله" في حملته على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان يريد اصباغ الشك على مصداقية المحكمة واعمالها من خلال تصوير اجهزتها والعاملين فيها وبخاصة المدعي العام بلمار على ان التحقيقات تسعى لاتهام الحزب لاغراض سياسية – في حين وبالعودة الى النصوص التي بين ايادينا لا يستطيع المدعي العام بلمار ولا اي احد في المحكمة ان يقدم قرارا اتهاميا غير مسند الى ادلة دامغة واثباتات قاطعة.
وفي هذا السياق يؤكد رئيس المحكمة في تقريره السنوي الاول (البند 199) ما حرفيته: "… يجب ملء هذه الثغرات قبل تقديم قرار اتهام يمكن اثباته من دون ادنى شك معقول في محكمة قانونية – في الوقت الحالي تعمل شعبتا التحقيقات والادعاء العام معا لضمان قبول ثمار جهود هذه التحقيقات في المحاكم …".
فمثل هذا الكلام يدلنا بوضوح الى حرص المحكمة والقيمين عليها على اصدار قرار اتهامي قانوني وموضوعي ومثبت قانونيا لا قرارا سياسيا او قرارا يمس بمصداقية المحكمة والتحقيقات – فمعيار "قبول القرار في المحاكم " معيار المصداقية والشفافية القانونية والموضوعية – وهي بعيدة كل البعد عن معايير التسييس او التلاعب او الفبركة المخابراتية للملفات والادلة والاثباتات لما لحصول ذلك من ارتدادات على مصداقية القضاة ورصيدهم المهني العالمي ومستقبل سمعتهم وضرب لهيبة الشرعية القضائية الدولية ومن خلالها ضرب سمعة كافة المؤسسات الدولية المؤتمنة على النظام والامن الدوليين.
وما سنقوله في ما يلي لا يعني اننا نسلم مسبقا كما يفعل "حزب الله" بأن القرار الاتهامي سيستهدفه سياسيا بل ينطلق من مسلمة مبنية على نظامنا القانوني الرومانو- جرماني والذي يعتبر ان الشخص ولو اتهم الا انه لديه كل الحقوق المشروعة في سبيل تحقيق عدالته وتمكينه من الدفاع عن نفسه – وبالتالي اي كان المتهم او المشتبه بهم، فان القضاء الدولي ضنين اكثر من الفرقاء في تحقيق العدالة وجلاء الحقيقة سيما في ضوء النصوص وقواعد الاجراءات وسائر الملاحظات التي تناولناها في هذه الدراسة التحليلية.
من هنا فاننا نود التأكيد على حقوق الدفاع النزيه والمضمون كليا في ظل المحكمة الخاصة بلبنان – وقد درجت الانظمة القضائية في العالم على مبدا ان لا عقوبة بلا حكم كما ان لا عقوبة بلا نص – فما يفعله "حزب الله" اليوم انه يحكم على نفسه ويزج بنفسه كليا في معركة ليست له ولا يجب ان يغطيها قانونيا وقضائيا كي لا يصبح عندها شريكا بكامله في الجريمة وشريكا في تحمل التبعات القانونية – كله على اساس ان ثمة حكم صدر ضده في وقت ان المطلوب ان لا تبنى الاراء والاستنتاجات على تسريبات او اشاعات او معطيات غير مكتملة قد يملك الحزب بعضا منها، لكنها تبقى غير كافية ليدين نفسه ويدين بالتالي المحكمة ويتهجم عليها ويكشف نفسه امام الرأي العام الدولي. فاستباق الاحكام والقرارات مخالف لمبدأ "لا عقاب بلا حكم" ومبدأ "لا مسؤولية بلا حكم". والقرار الاتهامي ليس سوى قرار قابل – كما شرحنا وحللنا بالنصوص والمواقف القانونية والقضائية – للنقض والمناقشة والرقابة القضائية المسبقة واللاحقة في ظل اجراءات المحاكمات التي تطبقها المحكمة.
لذلك وانطلاقا من كلامنا اعلاه، فاننا نتوقف عند الاتي:
1- ان المحكمة الخاصة بلبنان هي اول محكمة دولية تتضمن مكتب دفاع يتمتع بنظام خاص ويعمل كجهاز مستقل عن قلم المحكمة ويضطلع بمهمة حماية حقوق الدفاع وتقديم الدعم الاداري والقانوني للدفاع (المادة 13 ) من النظام الاساسي.
2- تنص المادتني (15) و(16) من النظام الاساسي للمحكمة على تعزيز حقوق المتهمين والمشتبه بهم – علما ان الهدف من وجود مكتب الدفاع ليس تمثيل المتهمين او المشتبه بهم فحسب بل تقديم المساعدة خارج المحكمة وضمان احترام حقوق المشتبه بهم والمتهمين خلال مراحل الاجراءات.
3- يقول الرئيس كاسيزي في تقريره السنوي الاول (البند 21) : "… حاول محررو النظام الاساسي للمحكمة الاستفادة من هذه الخبرات بهدف ضمان اجراءات اكثر عدالة وسرعة وتوازن : … أ)- مركز قاضي الاجراءات التمهيدية. ب)- دور القضاة الفاعل في سير الاجراءات. ج)- التدابير البديلة للاحتجاز. د)- استخدام الادلة الخطية. ه)- حماية المعلومات الحساسة. و)- المحاكمات الغيابية …"، ما يعني ان المحكمة الخاصة بلبنان استفادت من تجارب المحاكم الدولية الاخرى ومن الانظمة القضائية المختلفة كي تبني من حسناتها قواعد اجراءات خاصة بها تضمن كافة الحقوق وتظهر اقصى ضمانات للفرقاء من خلال الاجراءات والاختصاصات.
4- يقول الرئيس كاسيزي في تقريره (البند 35) : "… من الاهمية بمكان التشديد على ان للمدعي العام – بشكل خاص – مصلحة تامة في الحرص على ان يتم ابلاغ المعلومات او ان تكون التدابير الموازية كافية لحماية حقوق المتهم. يحيل قاضي الاجراءات التمهيدية تقريرا مفصلا بالاجراء لكن من دون وصف المواد السرية بحد ذاتها الى غرفة الدرجة الاولى التي ينبغي ان تقتنع بان لا مساس بحقوق المتهم، وبان عدم الابلاغ بحد ذاته لا يولد شكا معقولا حول ذنبه …" ما يؤكد درجة الحذر والاحتياط الموضوعي الذي تعتمده المحكمة والتحقيق القضائي لصون حقوق الدفاع الكاملة ومراقبة اعمال الاتهام والاحالة وفقا لاليات نراها من الدقة والشفافية ما لا نجده في اي محكمة دولية اخرى عبر التاريخ الحديث للقضاء الدولي.
5- ان قواعد الاجراءات في المحكمة وضعت في مادتيها (104) و(105) ضوابط وضمانات بموجبها يمكن للمتهم ان لا يحضر المحاكمات شخصيا – فيمكن لمحاميه ان يمثل عنه ولو مثل المتهم المرة الاولى شخصيا – كما اعتمدت القواعد نظام المؤتمرات المتلفزة – بحيث ان الاولوية هي في عدم اعتبار المتهم متغيبا عن الجلسة، وبالتالي استبعاد موضوع محاكته غيابيا – ما يؤكد ضمان دفاعه وعدم تسييس المحكمة والاجراءات بفعل تغيب المتهمين وامكان تلاعب المحكمة بالاجراءات والمحاكمات نتيجة هذا التغيب.
6- وعن هذه الاجراءات اعلاه يقول الرئيس كاسيزي (البند45): "… تستند هذه المواد الى كون المتهم يتمتع بقرينة البراءة والى عدم ضرورة احتجازه خلال المحاكمة – لذلك يجوز له ان يشارك في الاجراءات اما شخصيا او بواسطة نظام المؤتمرات المتلفزة او بواسطة محامي الدفاع الذي يوكله …".
الخاتمة:
نستنتج من كل ما تقدم ان ثمة حقائق قانونية واجرائية لا يمكن الفقز فوقها ولا تجاهلها من شأنها نفي اي تسييس ليس على سبيل البروباغاندا المضادة، بل بناء على هيكليات وقواعد عمل واجراءات المحكمة والتحقيق والتي لا تسمح لاحد ولو اراد التسييس ان يسير باتجاه هذا المنحى – خاصة ان التحقيق ليس مفصولا من رقابة المحكمة التي بدورها ليست مطلقة الايد والتقدير، بل تحكمها المعايير القضائية الدولية التي تدين قضاتها ان هم خالفوها.
وبالتالي ان منطق استباق الامور القضائية وشن الحملات السياسية التي تسيس الملف القضائي – على اساس تفسيرات وتأويلات وتحليلات ومعطيات اعلامية – لا يقوم امام صراحة النصوص ووضوح الاجراءات القضائية وقواعد الاتهام ومراقبة الاتهام والتدقيق في كل اتهام من قبل المحكمة وفي حضور الفرقاء وفي ظل الدور الفاعل لكل فريق ان في الادعاء او في الدفاع.
فلا مجال لتسييس الاجراءات ولا تسييس التحقيق القضائي الذي لا علاقة له بالقضاء الدولي السابق وقد اعاد التحقيق القضائي النظر في الكثير من معطيات التحقيق الاولي باقرار رئيس المحكمة كما سبقت الاشارة اليه.
كذلك ان اي قرار اتهامي يصدر لا يمكن الاخذ به اولا من قبل المحكمة، ومن ثم من قبل الفرقاء المعنيين ان لم يكن متطابقا والاجراءات وقواعد عمل التحقيق القضائي والمعايير القضائية الدولية التي اثبتت اكثر من مرة صحتها وقدرتها على تجاوز اعتبارات التأثير والتأثر المتبادلين سياسيا ومصلحيا.
لذلك فإن اي استباق للقرار الاتهامي كما يحصل اليوم مع "حزب الله" وحلفائه هو استباق سياسي المصدر والاهداف والمعطيات لان الاستباق في معرض القضايا القضائية لا يصح. فقضائيا لا يعترض ولا يطعن في قرار او حكم الا بعد صدوره وضمن مهل الطعن، وبالتالي ان التسييس بدأ مع "حزب الله" الذي يريد الانتقام من تحقيق دولي سابق من خلال المحكمة التي لا دور لها في ما مضى طالما انها لم تبدأ عملها الا عام 2009 واول ما قامت به اطلاق الضباط الاربعة.
نأمل ان نكون في هذه المطالعة قد القينا الضوء القانوني والقضائي على نقاط اساسية تحبط الادعاءات المسيسة الصادرة من "حزب الله" وحلفائه، وفي الوقت عينه ان نكون قد اعطينا الاخوة في "حزب الله" بعض التوضيحات التي يجب ان تطمئنهم الى سلامة التحقيق وموضوعيته مع عدم الخلط بين التحقيق الدولي السابق والتحقيق القضائي للقاضي بلمار والذي ليس لوحده في التحقيق وفي قراره الاتهامي الخاضع للمراقبة المسبقة من قاضي الاجراءات التمهيدية ولاحقا من خلال الفرقاء وحقوق الدفاع والطعن وسواها من ضمانات قضائية.