اذا كانت المحكمة الدولية بمثابة مشروع فتنة في لبنان، فهل بامكان اصحاب هذه النظرية اعطاء غير توصيف الفتنة على مشروع صرف النظر عن المحكمة الدولية، لاسيما ان الاستنجاد بالمسعى السعودي – السوري لم يثبت انه جنب البلد الفتنة ولو من الناحية الكلامية، خصوصاً ان ما صدر عن قمة الساعات القليلة يوم الجمعة الفائت بقي في اطار التمنيات ليس الا (…)
في رأي وزير حقوقي بارز ان الذين يطرحون بدائل للمحكمة الدولية لم يستوعبوا الى الان الخطأ المرتقب وقوعهم فيه، حيث لا بد من المقارنة بين الاتكال على المحكمة لمعرفة المدى المرشحة الوصول اليه في قرارها الاتهامي، وبين التسويق الاسرائيلي السياسي والاعلامي، طالما ان الهدف الاسرائيلي الاول والاخير منع الوصول الى الحقيقة مهما اختلفت في اشخاصها وفي شهود الزور وفي دلائل الجريمة، من دون حاجة الى الاخذ في الاعتبار مقولة الفتنة لمجرد ان العدو اطلق تصوراً معيناً لجهة ما قد يتضمنه قرار الاتهام، او لجهة ما يمكن لحزب الله التصرف حيال ذلك!
ويقول الوزير الحقوقي ان "غاية اسرائيل من الكلام على المحكمة تهدف الى ابقاء الجرح اللبناني مفتوحاً، ومن دون حاجة الى معرفة من اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والامر عينه ينطبق على من سبق له ان اغتال رؤساء ووزراء ونواب وقيادات سياسية. وهذه الشمولية بالنسبة الى ابقاء الجرح اللبناني تعني بنسبة معينة حزب الله الذي فقد بدوره شخصيات بارزة من غير ان يسعى الى معرفة من دبر اغتيالهم، بعكس المشهد المماثل على الساحة اللبنانية، ربما لان العدد كان اقل بكثير، او لان الحزب غير مقتنع منذ البداية باللجوء الى القضاء، فيما هناك من يجزم بان المقاومة جاهزة دائماً لان تفتح دفاتر اغتيال قادة خسرتهم، والعكس صحيح بالنسبة الى خصوم الحزب ليس لان هؤلاء قد اصبحوا طي الكتمان، بل لان ظروف الجرائم قد اختلفت شكلاً ومضموناً وزماناً ومكاناً (…)
وفي تصور جماعي من المر اقبين المحليين والاجانب، ان حزب الله يرتكب خطىئة كبيرة في تصديه للمحكمة الدولية في حال كانت رغبة لديه في احقاق حق العالم، اي حق كل صاحب حق في معرفة من استهدف شهداءه، بطريقة او بأخرى. والمقصود هنا ان على حزب الله تغيير طريقة تعاطيه مع مثل هذا الاستحقاق، طالما انه ليس في وارد نسيان من قتل شهداءه، ومن غير المسموح للحزب ولسواه القفز من فوق حق الغير في كشف الجناة (…)
وفي عودة الى القمة اللبنانية – السعودية والسورية، فان ما صدر عنها يمكن ان يشكل علاجاً كلامياً لمجموعة تعقيدات داخلية. لكن مضمون البيان الختامي للقمة جاء اقل من المرغوب فيه، ان لجهة حسم عقدة الفتنة او لجهة معرفة من قتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري وغيره. وهي نتيجة لا تشجع احداً ولا تحسم اجحدل في حال كانت فتنة واقعية او تهديد باللجوء اليها عندما تدعو الحاجة. وما اكثرها من حاجات لبنانية واقليمية ودولية لبقاء لبنان في خندق المواجهة الداخلية من غير حاجة الى المحكمة الدولية طالما ان الدولة منشغلة بمن يبحث عمن يصحح لها نظرتها الى همومها السياسية وسواها!
وهناك ملاحظة اخرى من النوع الذي شكل مداراً كلامياً لهموم الداخل في خلال وجود العاهل السعودي الملك عبد الله والرئيس السوري بشار الاسد في لبنان ولو لساعات. فضلاً عن كل ما تردد من مواقف من لحظة وصول امير قطر الشيخ حمد الى لبنان الى لحظة سفره. وهي في مجملها كلمات لا تقدم حلاً منطقياً للتباينات اللبنانية الداخلية، لمجرد ان كل موقف على حدة، مرتبط بدفتر شروط في حال كانت رغبة بحل على حساب الدم او على حساب الضحايا والاهل وسمعة لبنان (…)
امام هذا الواقع، ثمة من يجزم بان من المستحيل على لبنان الدولة والمؤسسات صرف النظر عن المحكمة الدولية، على رغم كل ما يقال عن "مشروع مراجعة لبنانية – دولية" لارجاء المحكمة الدولية اصدار قراراتها الاتهامية – الظنية، الا في حال تجنبت المحكمة اية اشارة من قريب او بعيد الى مطلق عنصر في حزب الله. وهذا مستبعد طالما ان قدرة الداخل ومعها قدرة بعض الاشقاء والاصدقاء غير مؤهلة لان تقف في وجه قدرات من يهمهم وضع امورنا في نطاقها الصحيح طال زمان المناكفة ام قصر؟!