منذ زمن طويل يا إخوان لم ينعم اللبنانيون بالقدرة على توقّع الأحسن بدل الأسوأ، والخير بدل الشر، والانفراج بدل الانفجار. ومنذ زمن طويل غابت عن نواحيهم عاديات السلوك والتفكير… وقلّة التفكير على حد سواء.
لكن وقائع الأسبوع الماضي قلبت الصورة أو هي كادت. وأعادت تذكير المبحرين على مراكب القلق، أن رياحاً باردة قادرة على إعادة تدوير الأشرعة بعيداً عن عسف اللظى ولسعاته الحارقة، وقادرة على إعادة تدوير الأمزجة والآراء الواعية والغائبة عن الوعي، باتجاه سلوك آخر يَفترض أن الورد إنجاز جمالي قائم بذاته رغم أشواكه النافرة والحادة.
جاءت قمة بعبدا الثلاثية وزيارة أمير دولة قطر وما تلا الواقعتين، لتصدّ الخيال عن إبحاره في الغمّ والضيم، وإمعانه في قراءة الأبيض بحروف سوداء، وذهابه بعيداً في افتراضاته الصفراء وتوقعاته الماشية دائماً على حفافي المصائب والمصاعب، والمنتظرة دائماً تلقف أحكام من لا يرى في الحياة، إلا كونها سياقاً زمنياً يفصل عن لحظة الموت… ليس إلا.
ليست هيّنة تلك الاستراحة التي أخذها اللبنانيون من قلقهم وعبث انتظار الأسوأ والأسود. وليست هيّنة تلك الإقامة الموقتة في نواحي افتراض القدرة على إيقاف طغيان التوتر وتخفيف هيجان التشنّج، والذهاب بعد ذلك الى استرخاء لذيذ على أريكة الحلم بأيام آتية لا حديد فيها يرنّ بالنار، ولا رعد يدوي في غيومها الصيفية الملبّدة بالرماد والواعدة بمطر أسيدي، حارق خارق مدمّر لا يُبقي ولا يذر..
وليست هيّنة تلك الجمعة الجامعة التي أخبرتنا بإيجاز وسرعة أن برقيات التوعّد والترقّب والتوجّس لا يُفترض أن تكون صحناً يومياً نغرف منه مُكرَهين على مدى أيامنا ولا قدرة لأحد على استبداله ولو بوجبة انشراح سريعة، كما لا يُفترض أن تكون سياقاً قطعياً كئيباً لا قدرة لأحد على استبداله بفواصل موسيقية تشيع الأنس وتُحيي طراوة الذوق وحلاوته ورفعته.
.. ثم بعد ذلك، لا بأس علينا إن غُصنا في تركيب معادلات حسابية تحكم بأن "المصالح" المشتركة للبنانيين في مجملهم يُفترض أن تكون كفيلة بردّ الاعتبار الى المنطق والمعقول، وبقمع نوازع سلبطة وتسلّط وعسف وإكراه وإجبار، وما الى ذلك من أدوات نفي الآخر وإكراهه على إلغاء ذاته إذا أمكن!
"مصالح" ليس إلا، تفرض أحكامها المبرمة وتُحيل كل "مشاعر" أخرى الى ركن الأرشفة ومستودعات النفس الأمّارة بالسوء في كل حين.. وفي ذلك إذا اعتدل الميزان رأس البيان في كتاب الحكمة الموهوم والمفترض.
الى هذا الحد وصلت مواصيلنا وأمانينا، وإلى تلك الهضبة ارتفعت وتائر تمني تغييب التشظي. ولا غضاضة في ضوء ذلك (بل في عتمته)، أن نفترض أن ليل الصيف تنيره أحلام جميلات، وأن حراك الأسبوع الماضي قَدَح شرارة تلك الأحلام، على أمل أن لا نفيق في الأيام الآتية على أوهام مدمّرة.. والسلام