كثرت في الآونة الأخيرة الزّيارات المكّوكيّة الى لبنان، من رؤساء دول، وحكومات، وملوك، ووفود برلمانيّة ووزاريّة، وحتى عسكريّة، أمميّة ودوليّة. كلّ هذه الزيارات لغرض واحد وهدفها مشترك. إذا قمنا بإعادة تاريخيّة بسيطة للحركة النّاشطة من هذا القبيل، لوجدنا أنّ قرع طبول الحرب يلقى دويًّا بعد هذه الزّيارات.
الكلّ منهمك بزيارة لبنان، لتقديم الإرشادات والنّصائح، أمّا الموقف اللبناني الرّسمي فهو هو. شعب، جيش فمقاومة. وهذا ما كوّن ثقافة، من عاكسها ألقيت عليه الشتائم وصفات العمالة. هل بات من العيب التّحذير من خطر نشوب حرب ضروس، قد تأتي على البشر والحجر على السّواء؟ هل تقاطعت نصائح الزّوار أم أنّها تعارضت بعضها مع بعض؟
جواز مرور يفرضه السّوري على أزلامه في "8 آذار"، الهجوم على "القوّات اللبنانيّة" وعلى رئيس هيئتها التّنفيذيّة الدّكتور سمير جعجع. لكأنّ هؤلاء النّاس لا يطلقون أيّ موقف سياسيّ أو حتى إجتماعيّ الا ردًّا على موقف من مواقف القوات ورئيس هيئتها التّنفيذيّة. المهمّ في كلّ هذه الضّجّة أنّهم يعترفون بأهمّيّة حزب القوّات ودوره في التّركيبة الكيانيّة اللبنانيّة، والأكثر يهابون خطورة رئيسه لأنّ مواقفه صلبة لم تهتزّ يوماً كأرز لبنان.
نعم، نحن ندرك أنّنا نخيفهم بالتزامنا وهم ينتظروننا على كلّ مفترق ليطلقوا السّهام علينا، لكنّنا لا نخافهم. نقول الحقيقة اليوم كما قلناها بالأمس وكما سنظلّ نقولها في المستقبل.
لا ينسوا دائما التّطاول على أرفع المقامات المسيحيّة أي بكركي وسيّدها، ويستغربون منّا متى ردّينا عليهم. وهنا الكارثة الكبرى: من يستعملون للتّطاول على بكركي؟ احد أغلى أبنائها، جنرال حروب التحرير والإلغاء، تكثر النّعوت والرّجل واحد: ميشال عون. يستعملون هذا الرّجل ليقتنصوا من كرامة بكركي ورمزيّتها. لكنّه يفشل كعادته، الا أنّنا نأسف لثقافة السّمّ التي يبثّها بين مناصريه وفي مجتمعه المسيحيّ الذي بات اليوم يستسيغ سماع شتّامي بكركي وسيّدها. لكن أبواب جحيمه لن تقوى عليها.
أمّا بالنّسبة الى الزّيارات التي شهدها ويشهدها وسيشهدها لبنان من رؤساء لئن اختلفوا في المواقف، الا أنّ هدفهم واحد: الدّعوة الى الهدوء والحفاظ على الإستقرار. لكن هل دعوة سيّد الشام مماثلة؟ أم أنّه يدقّ طبول الحرب بواسطة من يملك أطواقهم في لبنان؟ لا نستبعد ذلك وهم اعتادوا على خوض حروبهم من أرض لبنان. قاوموا في الجولان انطلاقًا من جنوب لبنان، حاربوا اعتدالهم في من حمل لواء الإعتدال في لبنان فقتل الرّئيس واختفى القاتل.
المحكمة همّهم، لأنّها ليست كمحاكمهم، ومثيلاتها كثيرة في العالم من المحكمة التي حكمت على الرئيس السوداني عمر البشير، الى سلوبودان ميلوسوفيتش في يوغوسلافيا وغيرهم كثر. يخافونها لأنّهم يعرفونها فلا إمكان للمساومة والإفلات من العقاب. هم أتوا للتّحذير لكنّ ربما أتوا للتّحريض ايضاً. التّحريض على إيقاع الهيكل على رأس كلّ من فيه. وهذا ما حذّرنا منه مرارا وتكرارا، فالهيكل متى وقع، وقع على رأس الكلّ. يستعملون الظروف التي ستنتج عن وقوع الهيكل للعودة الى رحابه المدمّرة ليعيدوا التّاريخ الى الوراء.
لن نسمح لهم بالعودة الى الوراء. فزمن الإفلات من العقاب ولّى، وزمن الإنقلاب على الدّولة وهيبتها ولّى الى غير رجعة. لن ترجعوا يا أسياد الشّام الى لبنان لا من بوّابة الفوضى التي قد يثيرها من ستتهمه المحكمة الدّوليّة، ولا من باب المعسكرات المتداخلة حدوديّا، ولا حتى من باب الجماعات الأصوليّة الرّابضة في مخيّمات البؤس والفقر. فكلّ مخطّطاتكم باتت مكشوفة الى العلن. اليوم زمن الدّولة القادرة القويّة التي بنيناها بدماء شهداء سقطوا لتعيش هذه الدّولة، بنيناها بدموع أمّهات انهمرت لتسقي الأرز في هذا الوطن، بنيناها بوجع وأنّات من خطفوا الى سوريا وبصراخ نكرانهم من إخوة لهم تلحّفوا العباءة البرتقاليّة وردّدوا: "سوريا في سوريا فلا مشاكل عالقة معها والأسرى والمعتقلين لا وجود لهم الا بالاوهام". فويل لهم من لعنة التّاريخ. أهلا وسهلا بكلّ الزّوّار، مواقفنا لا تأكلها النار، ولبناننا باق طالما فيه قوّات و"14 آذار".