#adsense

الكفاية تغيّر مفهوم المناصفة تدريجاً… هل تأخّر المسيحيون في العودة إلى الدولة؟

حجم الخط

كتب بيار عطاالله في "النهار":

تشكّل تجربة التطوع في الدورة الاخيرة لقوى الامن الداخلي وأمن الدولة نموذجاً يمكن الاقتداء به مستقبلاً لمعالجة الخلل الكبير في التوازن الطائفي والوطني على مستوى مؤسسات القطاع العام، ذلك ان عدد المتطوعين المسيحيين شباناً وشابات سجل ارقاماً مرتفعة مقارنة مع الدورات السابقة حيث كان يجري التفتيش عن المتطوع المسيحي "بالسراج" على ما يقال فإذا بحركة التطوع المسيحي في الدورة الحالية تشكل علامة فارقة، مما دفع كثراً الى ان يستبشروا خيراً بمستقبل التوازن الوطني في ما لو صفت النيات".

مسألة التوازن مشكلة المشكلات وربما كانت النار الخامدة تحت الرماد في الازمات اللبنانية المتعاقبة، لكنها تحتل الى جانب القضايا السيادية الاخرى مثل سلاح "حزب الله" والسلاح الفلسطيني والتوطين مرتبة متقدمة من الاهتمام لدى الجمهور المسيحي، الذي يحمل شكوى دائمة من فقد التوازن. ورغم كل الطمأنة الكلامية، تبقى تجربة السنين الماضية ماثلة، بدءاً من التطبيق الاستنسابي لاتفاق الطائف منذ عام 1990 وانتهاءً بانسحاب الجيش السوري من لبنان في نيسان 2005. وقد ساهمت السطوة السورية وتوافق سياستها مع مصالح الفئات اللبنانية الاخرى في اقصاء المسيحيين اللبنانيين عن الكثير من مواقع الادارة ومؤسسات القطاع العام، وصولاً الى المؤسسات العسكرية والامنية الشرعية التي لا تقدّر نسبة المسيحيين فيها بأكثر من 35 في المئة.

وفي دراسة اعدها فريق عمل من العلمانيين يعمل تحت اسم "لابورا" (المقصود هم المسيحيون الملتزمون من غير الاكليروس)، ان الكلام على المناصفة في الدولة امر صحيح، لكن تطبيقات المناصفة تتم على مستوى موظفي الفئة الاولى، اضافة الى المراكز القيادية مثل اعضاء مجلسي الوزراء والنواب وقيادات الاجهزة الامنية والعسكرية، في حين ان المناصفة في مؤسسات القطاع العام الاخرى تحتاج الى الكثير من الجهد لاعادة ترميمها وتأمين شروطها كاملة بين المجموعات اللبنانية المختلفة. ويشرح العاملون في الفريق ان المناصفة في ما دون الفئة الاولى، استبدلت بعنوان عريض هو الكفاية التي ادى اعتمادها عشوائيا وفي ظل عدم انصراف اي فريق مسيحي الى العناية بتأهيل المتقدمين المسيحيين لوظائف الدولة، الى فوز المتقدمين من ابناء الطوائف الاخرى الذين يحظون بدعم واستشارات تحضيرية، تتيح للادنى مستوى من بينهم مثلاً الفوز في الامتحانات او الاختبارات مقارنة مع رسوب قسم لا يستهان به من المتقدمين المسيحيين من خريجي افضل الجامعات اللبنانية والاوروبية. والمسألة على ما يقول اعضاء الفريق الذين اصبحوا خبراء في التعامل مع ملفات القطاع العام، ان الطوائف الاخرى تملك مؤسساتها ومعاهدها وندواتها الاعدادية التي تمكنها من توجيه المتقدمين لوظائف القطاع وتأهيلهم بكل المعلومات اللازمة التي تمكنهم من تجاوز امتحانات الدخول.

ويورد العاملون في الفريق العلماني ارقاماً معبرة عن حصيلة التوظيف في مؤسسات الدولة عام 2009 ، اذ ان ثمة 26 نوعاً من الوظائف الشاغرة تقدم لها 16700 لبناني نجح 5978 منهم في تجاوز الامتحانات المطلوبة مما ادى الى فوز 1683 مسيحياً فقط، اي ما نسبته 28 في المئة مقارنة مع 4295 من المذاهب الاسلامية، وهو ما يعني نسبة 72 في المئة. ويقدم العاملون في الفريق نموذجاً اخر يبين فداحة ما يجري تحت عنوان الكفاية، اضافة الى استهتار القيادات المسيحية بما يجري، بدلاً من الانصراف الى معالجة هذا الخلل الخطير والاعداد لمواجهته، وهو يتمثل في ما جرى (دائماً على ذمة الناشطين في الفريق) في عملية تثبيت الاساتذة المتعاقدين وعددهم 18559 نجح 5976 منهم في اجتياز الاختبارات المطلوبة كان من بينهم 1500 استاذ مسيحي فقط.

والمشكلة في رأي الفريق ان الاجواء التي رزح تحت نيرها المسيحيون بين 1990 و 2005 لم يكن من السهل ازالة اثارها والتغافل عنها، وهذا النزف ليس من مسؤولية المسيحيين وحدهم، خصوصاً انهم شعروا بأن هذه الدولة ليست لهم، وانهم مجرد اعداد لا قيمة او سلطة لها. ويحمل الفريق الشركاء في الوطن مسؤولية كبيرة، ويعود بالذاكرة الى بعض عمليات التوظيف التي كانت شبه مكتومة، خصوصاً لجهة الاعلان في وسائل اعلام وصحف معينة. ويذكرون ايضاً ان عمليات التوظيف واجراء امتحانات الدخول كانت تجرى بطريقة الهمس ومن دون الاعلان عنها، اضف الى ذلك ان من تولوا ادارة الشأن المسيحي او من نصبوا ليتحدثوا باسم المسيحيين لم يكترثوا كثيراً لامر هؤلاء مقارنة مع الطوائف الاخرى التي اقامت مؤسسات خاصة لتدريب المتطوعين او المتقدمين الى مؤسسات الدولة واعدادهم للفوز بالامتحانات. ويذكر احد العاملين في الفريق العلماني ان قوى السنة والشيعة تملك مؤسسات عريقة في هذا الاطار وتتمتع بخبرة مهمة في آليات الفوز بالوظائف في القطاع العام، على نقيض تجربة المسيحيين المحدثة مع جمعية "لابورا" التي شكلت تجربة التطوع الاخيرة في قوى الامن اكبر اختبار لها. ويقول العاملون في المؤسسة انهم انجزوا تأهيل 12936 شابا وشابة مسيحيين منذ كانون الثاني 2009 لتمكينهم من خوض اختبارات الانتساب الى الدولة اللبنانية ومؤسساتها، ومن بين هؤلاء عقد الخبراء في المؤسسة 10512 جلسة او مقابلة فردية مع هؤلاء المتقدمين للبحث في ظروف العمل في القطاع العام واقناعهم بأهمية الانضمام الى مؤسسات الدولة المختلفة والفائدة التي تترتب على ذلك سواء على المستوى الفردي، او على مستوى حاضر المتقدم ومستقبله والضمانات التي يحصل عليها.

ويقدّم العاملون ارقاماً اخرى. فقد جرى تنظيم ندوات عامة لنحو 1800 شاب وشابة في قطاعات محددة. والمسألة في رأي العاملين في الفريق ليست نزهة، خصوصاً لجهة العمل على ترسيخ اهمية مفهوم الدولة ومؤسساتها والتفاعل معها، علماً ان ثمة اعتقادات او اخطاء شائعة لدى الرأي العام ان موظفي الدولة "يموتون جوعا" في حين ان الامر على نقيض ذلك تماماً، وهذا ما يعمل عليه الفريق العلماني و "لابورا" على ما يقول العاملون فيها.

واهمية التجربة التي يقودها هذا الفريق تحت شعار "العودة الى الدولة" انه يحظى بما يشبه الاحتضان من الناشطين في المجتمع والهيئات والجمعيات وصولاً الى الاحزاب بعينها التي اكتشفت في هذا الفريق نافذة لتقديم خدماتها بطريقة علمية ومدروسة على ما يقول احدهم، بعيداً عن الوساطات والمحسوبيات. لكن الاهم والمهم بالنسبة الى الفريق ان تبقى مؤسسات الدولة لكي يعود اليها المسيحيون لا ان يعودوا وقد اصبحت اثراً بعد عين.

المصدر:
النهار

خبر عاجل