فيما كان الرهان الاسرائيلي ولا يزال مستمرا على ابقاء الساحة اللبنانية عرضة للاهتزازات السياسية والامنية، جاءت احداث امس على الحدود الجنوبية لتؤكد سير حكومة بنيامين نتانياهو قدماً في توتير الاجواء في سياق ما يجمع المراقبون على وصفه بانه تصرف استطلاعي- استباقي لما هو عليه الحال في لبنان بعد ساعات قليلة من "عراضة التأييد" العربية التي جسدتها محادثات رئيس الجمهورية ميشال سليمان مع العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس السوري بشار الاسد، فضلاً عن "عراضة الدعم" التي تمثلت بزيارة امير قطر الشيخ خليفة بن حمد وما حفلت به المناسبتان من مواقف بنى بعضهم عليها آمالاً عريضة تجافي كل ما صدر ويصدر عن العدو الاسرائيلي!
اشارة هنا الى ان القصد الاسرائيلي من توتير الاجواء على الحدود ليس بعيداً عن جس نبض حزب الله، في حال كان له دور في المواجهة الى جانب الجيش، بحسب النية الاسرائيلية العدائية التي تتعارض ربما شكلاً ومضموناً مع سعي لبنان المتواصل لتمرير هذه المرحلة بأقل نسبة من التباينات الداخلية طالما ان عوامل التصعيد جاهزة من جانب اسرائيل بدليل ما حصل خلال الايام القليلة المنصرمة حيث تكررت محاولات خرق الخط الازرق براً بعدما زادت اسرائيل من خروقاتها البحرية والجوية، على رغم كل ما قيل ويقال عن تحرك دولي لتجنب اي عمل تصعيدي من جانبها!
الاخطر من استخدام العدو أمس مدفعية الميدان وسلاح الجو ظهور استعداد ميداني من جانب قواته حول تصرفاً استفزازياً شكلياً الى مواجهة فورية قابلة لان تتوسع في حال طرأ تصرف غير محسوب من اي طرف ثالث. والمقصود هنا تحرك المقاومة الاسلامية عبر عمليات مباشرة من وراء الحدود، او من خلال الخطوط التي يسيطر عليها الجيش اللبناني والقوة الدولية، لاسيما ان الاستعدادات الى ذلك مسبوقة باخبار اعلامية اكدتها روايات العدو الى الامم المتحدة،. حيث كانت مجموعة اشارات الى مسعى من قبل حزب الله "لتنفيس الاحتقانات السياسية الداخلية في لبنان عبر القاء اللوم على خصومه من جهة وعلى ما ليس بوسعه تجنبه لجهة تذكير اللبنانيين وعواصم القرار والمجتمع الدولي بان اي تصرف من جانب اسرائيل سيقابل برد اعنف مما صادفها في حرب تموز 2006 (…)
كذلك، فان الحصاد السياسي الداخلي في لبنان لم يرق الى مصاف التفاهم على وسائل الحوار بمعزل عن مظاهر الاستعداد المستمر لاستخدام القوة في غير المكان المتفق عليه مع الدولة، بحسب بعض الاشارات التي لا يجد السياسيون حرجاً في اطلاقها لمجرد انها تحك على جراح خصومهم وبما يحقق غايات سياسية ابعد بكثير مما لا يجوز الاتكال عليه (…)
يقول ديبلوماسي اوروبي غربي انه سبق له ان نصح بضرورة التركيز على التهدئة الداخلية بما يعزز عوامل الاستقرار. لكن الديبلوماسي الاوروبي لم يشر الى مفهومه للتصعيد الاسرائيلي القائم على مدار الساعة باستثناء قوله ان ظروف لبنان تحتم الاخذ في الاعتبار ما تعانيه منطقة الشرق الاوسط من شد حبال على خلفية ما سبق صدوره عن الولايات المتحدة الاميركية والجمهورية الاسلامية في ايران من تبادل التصريحات الاستفزازية القابلة لان تتحول فوراً الى حرب، نظراً لحاجة الاميركيين الى جمع شمل حلفائهم في المنطقة وهكذا بالنسبة الى ايران في حال لم تستوعب معنى عوامل خنقها الاقتصادي والعسكري على خلفية ملفها النووي، فضلاً عن محاولات واشنطن الخروج من الرمال العراقية المتحركة في وقت غير بعيد وهذه العوامل تتعارض مع اي تصرف يزيد من تورط الاميركيين عسكرياً في المنطقة ولو لمرة واحدة واخيرة!
كذلك، هناك من ينظر الى التوتر العسكري في الجنوب على اساس ما يتردد من معلومات عن تصرف استباقي ملح من جانب حزب الله، ربما لخلق ذريعة لاحتكاكات اوسع قد تقحم ايران مباشرة في عملية عسكرية يمكن ان تبدأ عبر حدود لبنان، وليس من يستبعد ان تتطور الى ابعد من ذلك، نظراً لحاجة كل طرف لان يثبت وجوده، ولحاجة اسرائيل الى معرفة جدية ومفاعيل الدعم العربي للبنان قبل ان يجف حبر القمة الثلاثية وزيارة امير قطر؟!