حتى الساعة وباقل ما يمكننا استنتاجه ان القمة الثلاثية التي عقدت يوم الجمعة الفائت في قصر بعبدا بين القادة اللبناني والسوري والسعودي، كانت قمة تحييد المحكمة الدولية من التجاذبات الداخلية – وذلك بكل بساطة من خلال عدم التطرق للموضوع لا من قريب ولا من بعيد في البيان الختامي للقمة على الرغم من الاتصالات الجانبية التي جرت ومن ضمنها لقاء الوزير وليد المعلم مع وفد نواب "حزب الله".
ان القمة جددت الخطوط الحمر السياسية المنبثقة من ثوابت الطائف والدوحة: الاستقرار الداخلي وعدم اللجوء للقوة في فض النزاعات الداخلية والاحتكام الى المؤسسات الدستورية في سبيل حل الخلافات – انه الحد الاقصى الذي كان بامكان القمة التوصل اليه – لان الزعيمين السعودي والسوري تحديدا لا يستطيعان الذهاب الى ابعد من ذلك في التطرق لمسألة بدقة وخطورة مسألة المحكمة الدولية لاعتبارين اساسيين:
الاعتبار الاول من الجانب السعودي: متمثل في عدم القيام بما من شأنه ان يعتبر او يفسر على انه تدخل في اعمال المحكمة الدولية، ما يترجم حرص المملكة على استمرار المحكمة في القيام باعمالها حتى النهاية لكشف قتلة الشهيد رفيق الحريري ورفاقه.
الاعتبار الثاني من الجانب السوري والمتمثل في عدم رغبة سوريا في المرحلة الحالية على الاقل البروز في مظهر من يريد التدخل للتأثير على المحكمة وسير اعمالها وهي التي تجنبت الاتهامات الدولية وخرجت من الموضوع بريئة معافاة، ما ستعمل سوريا على استثماره في اتجاه مزيد من الانفتاح على الاميركيين والغرب من خلال تعميق التنسيق مع الملك عبدالله خادم الحرمين الشريفين.
من هنا فان القمة الثلاثية الاخيرة في بيروت تجنبت الخوض في موضوع المحكمة الدولية علنا بغية عدم احراج الجانب السوري بمطالبته بالضغط المكشوف على حزب الله – ما من شأنه ان يؤثر على علاقات سوريا الاستراتيجية بالحليف الايراني – اقله الى الان – لذلك فاننا نؤكد على ما يأتي:
اولا: على "حزب الله" ان يهدء من روعه ويحتكم الى منطقين اساسيين: الاول منطق التسليم بدور المؤسسات الدستورية كاطار لفض النزاعات او للتنازع دون اللجوء الى القوة او التهديد بها ما يصون ويحفظ ماء وجه اتفاق الدوحة.
والثاني ان يدرك ان المحكمة الدولية ليست قابلة لاي تدخل او تأثير من اي جهة او طرف دولي او اقليمي مهما صفت او ساءت النوايا.
ثانيا: توافقنا جميعا على انتظار القرار الاتهامي للمحكمة بهدوء ومسؤولية والسهر من جانبنا كلنا على عدم تسييس الموضوع باتجاه اي طرف لبناني داخلي، فاذا صدر القرار الاتهامي غير مبني على ادلة دامغة وجدية وثابتة واكيدة وجديرة بالثقة والصدقية، فإننا كلنا في "14 اذار" واولياء الدم سنكون بالمرصادر لمثل هذا القرار ولن ننتظر "حزب الله" ولا حلفاء "حزب الله" للهجوم على القرار الاتهامي واسقاطه واتهام المحكمة عندها بالتسييس من طرفنا نحن – اما اذا صدر القرار الاتهامي بادلة جدية وثابتة ودامغة وغير مشكوك بها وكائنا من كان المتهم، فليتحمل كل الاطراف مسؤولياتهم وفي طليعتهم الدولة اللبنانية المرتبطة والملزمة قانونيا بالمحكمة وبطلبات المحكمة.
من هنا نلاحظ ان اخطر ما زرعه "حزب الله" في العقول الى الان من خلال حملته الاستباقية الشعواء على المحكمة الدولية هو وضع بعض الرأي العام والمتابعين في معادلة مغلوطة مفادها انه بقدر ما يكون "حزب الله" بمنأى عن الاتهام بقدر ما يكون القرار الاتهامي مقبولا بغض النظر عن معرفة الحقيقة لا بل ولو على حساب الحقيقة، فيما لو تبين فعلا وبالادلة والاثباتات الدامغة الثابتة والجدية والصادقة ان ثمة من كان متورطا في الاغتيال. الامر الذي يجعل الحملة المفتوحة من الحزب على المحكمة تحقق ابرز اهدافها الا وهي استبعاد "حزب الله" نهائيا ومن الان واستباقيا من اي اتهام لاي من عناصره – حتى اننا نخشى ان بعضهم قد يكون اليوم في وارد التضحية بالدماء والحقيقة في سبيل عدم اغضاب "حزب الله" بالمطلق وهذا ما يريده الحزب وحلفاؤه …
فكائنا من كان المتهم ولو تبين ان المتورطين عناصر من قوى "14 اذار" بالذات يجب ان يكون المعيار الصحيح: عدم استباق المحكمة والقرار الاتهامي والتعامل مع القرار بجدية ورصانة قانونية بعيدا عن اي اعتبار سياسي او تسييسي وكائنا من كان المتهم فليتحمل كل طرف مسؤوليته اما الشعب والله والتاريخ .
قمة بيروت الثلاثية الاخيرة كانت فيها المحكمة الدولية والقرار الاتهامي العتيد الغائب الحاضر الاكبر والشبح المظلل لكافة وقائعها …
لكن الاكيد الاكيد، ان المحكمة الدولية بلغت من الدقة والخطورة ما يجعل اي طرف دولي او اقليمي يحسب الف حساب قبل التفكير في التصدي للمحكمة …
املين ان ينتقل هذا الشعور الى الاخوة في الحزب … فالايام القليلة المقبلة كفيلة باثبات العدوى ام لا … ولو ان النائب نواف الموسوي لم يتأخر في التصريح بما لا يطمئن باشارته الى الاستمرار في التصعيد ضد المحكمة …
فهل يكون الشبح القضائي الدولي علامة بداية التباين بين المنظمات السياسية والدول الراعية لها الى الان ؟!
