كتب بيار عطالله في "النهار": السفارة الفرنسية تبيع املاكها في لبنان. هذه "الخبرية" انتشرت عقب اعلان السفارة نيتها بيع العقار الرقم 410 في منطقة حوش حالا العقارية البقاعية بطريقة الظرف المختوم. الى هنا الخبر عادي، اسوة بكل العمليات العقارية التي تجري في لبنان، لكن المشكلة ان ثمة كثراً من اللبنانيين لا يزالون يترصدون سياسة "الام الحنون" ويترقبون مواقفها وخطواتها، وتالياً فإن إعلان سفارة فرنسا تكراراً او بين الفينة والاخرى، عن بيع قطعة ارض في هذه الناحية او تلك وتحديداً في صوفر، وانزال العلم الفرنسي عن تلك الرابية الجميلة، ثم الاعلان عن الرغبة في بيع عقار حوش حالا، شغل عقول اللبنانيين الملتاعين من فرط الخيبات والتجارب القاسية، لجهة ان فرنسا ربما تكون قد "قطعت الامل" من هذا البلد الصغير، وانها تنصرف الى بيع عقاراتها والنجاة بأموالها قبل انهيار الامور.
هذا على المقلب اللبناني، اما لدى الفرنسيين، ولا سيما منهم العاملين في السفارة الفرنسية، فهذه "الوسوسات والخبريات" اللبنانية تثير الضحك لدى الفرنسيين، الذين وإنْ كانوا يقدّرون او يدركون حجم الهواجس اللبنانية والاجواء الضاغطة التي يرزح تحتها الرأي العام اللبناني، الا انهم يعتبرون مسألة بيع العقارات عملية تجارية بحتة لا علاقة لها بالمقاربة الفرنسية للوضع في لبنان لا من قريب ولا من بعيد، وخصوصاً لجهة الكلام عن "تخلي الام الحنون عن لبنان وقطع الامل من تحسن الاحوال فيه".
عقارات بالجملة
قبل نحو شهر من الاعلان عن بيع عقار حوش حالا، قام فريق من السفارة الفرنسية بإنزال العلم الفرنسي عن عقار آخر في صوفر كانت السفارة تتخذه مقراً لاقامة السفير الفرنسي صيفاً ايام زمان، لكن، وبسبب ظروف الحرب وامتناع السفير عن الاقامة في صوفر التي كانت موئلاً للسياح والمصطافين في ايام العز وعدم حاجة السفارة الى هذا العقار، قررت السفارة العام الماضي اعلان بيعه بطريقة الظرف المختوم.
عقار آخر للدولة الفرنسية في منطقة الحازمية كانت تتخذه مقراً لبعثتها الديبلوماسية، الا انه بيع منذ زمن بعيد وعقب نهاية الحرب. اما عقار كليمنصو الذي كانت السفارة تتخذه مقراً لها، فبعد ازالة خطوط التماس وعودة السفير الفرنسي الى مقر سكنه التقليدي في قصر الصنوبر، جرى تقديمه الى المعهد العالي للاعمال (Ecole Supérieure des Affairs).
ويقول مصدر مسؤول في السفارة الفرنسية: "تملك الدولة الفرنسية عقارات في انحاء لبنان وتحديداً في الشمال والبقاع وبيروت، وتعود ملكيتها الى ايام الانتداب الفرنسي، ولكن لا حاجة لنا بها كلها. وما حاجتنا الى مقر صيفي للسفير في صوفر في ظل وجود المكيفات في بيروت؟". ويشير الى ان الفرنسيين اقاموا مجمعاً ضخماً في منطقة المتحف – طريق الشام يضم مقراً للقنصلية وآخر لاركان السفارة ومبنى للمركز الثقافي الفرنسي تشكل مجتمعة واحداً من اكبر المراكز الديبلوماسية في لبنان، اضافة الى مقر اقامة السفير في قصر الصنوبر الذي تمت اعادة تأهيله وتجهيزه وافتتح في عهد الرئيس السابق جاك شيراك. وبرأي المصدر، فإن هذه الابنية والعقارات تكفي حاجة السفارة وتؤمن خدمات ثقافية وديبلوماسية شتى للفرنسيين والمقيمين في لبنان والمواطنين اللبنانيين الراغبين في الاطلاع على الحضور الفرنسي في لبنان.
حتى في فرنسا
يبرر الفرنسيون بيع بعض عقاراتهم في لبنان بانتفاء الحاجة اليها، ويقولون ان الدولة الفرنسية تقوم ببيع عقاراتها في كل انحاء العالم، والمقصود بذلك العقارات التي لا جدوى منها، والادارة الفرنسية تبيع حتى بعض ثكن الجيش والابنية الحكومية المهجورة في فرنسا ذاتها، اضافة الى العقارات الموزعة في انحاء العالم لانه "من الاجدى انفاق هذه الاموال على الصالح العام وتحسين احوال الدولة واوضاعها المالية بدل الاحتفاظ بالعقارات الى ابد الآبدين"، على ما يقول المصدر. ويضيف: "بيوت حوش حالا وابنيتها مثلاً تتصدع ولا نستفيد منها بشيء، والاجدى ان نجد لها حلاً. والادارة الفرنسية ليست تاجر عقارات ولا تنتظر اسعار السوق لكي تستفيد من الفارق في السعر بين يوم وآخر، بل هي تهتم بالبيع بطريقة المناقصة لتحصل على السعر الافضل".
وينفي المصدر "اوهام اللبنانيين وتخيلاتهم" عن "تخلي فرنسا عن لبنان" لانها تبيع بعض العقارات، ويقول: "لا تخلٍ عن محبتنا والتزاماتنا تجاه لبنان ابداً ابداً ابداً". ويصر على تكرار كلمة ابداً، لأن المسألة برأيه ليست سوى بيع عقارات لا حاجة للسفارة اليها، لافتاً الى امكان بيع المزيد من العقارات في بيروت "لأن هذه سياسة الادارة الفرنسية"، ومشيراً الى ان ثمة عقارات "لن تمس، اياً تكن الظروف، ومنها بعض العقارات التي تستغل لخدمة الاهالي، ومشاريع الزراعات وتربية الحيوانات في البقاع وتقدم خدمات شتى لمحيطها".