كما ان كثرة الطبّاخين، سبيل لطبخ عاطل، كذلك الامر، كثرة الكلام، خارج الضرورة والمعقول، توقع صاحبها في التناقض واجترار الذات. والمؤسف ان ظاهرة الفريق الثاني هي الطاغية حالياً، في الحياة السياسية، حيث تصطدم يومياً بعدد لا يستهان به من السياسيين ومن منتحلي السياسة، من اصحاب الألسن الذربة، حيث يقضّون مضاجع الناس، وهم يتكلمون باسهاب واسهال «وبلزوم ومن دون لزوم» احياناً كثيرة، على قاعدة ذهبية عندهم تقول: انا اتكلم اذن انا موجود، ولأنهم يتكلمون كثيراً، يخطئون كثيراً، ويقعون في التناقض المكشوف، معتمدين على عدم محاسبتهم من احد، لأن ذاكرة الناس ضعيفة، وهم أولاً واخيراً يؤدون واجباً قبضوا ثمنه مسبقاً، او انهم بانتظار قبضه لاحقاً، فتحولت هذه الحالة الشاذة في الحياة السياسية الى حالة مرضية، او انها اصبحت مهنة تدرّ على صاحبها دخلاً طيباً مادياً ومعنوياً، اذا تمكن ممتهنها من ادخال السعادة والسرور والرضى الى الحكام والسلاطين، على غرار ما كان يحصل في العصور الغابرة، انما الامل كبير اليوم، بأن تضع زيارة الملك عبدالله والرئيس بشار الأسد الى لبنان ودعوتهما الى تبريد الرؤوس الحامية ومنع التوتر، وتهدئة الاعصاب المتوفزة، حدّاً لمعلّقات التخوين والتخويف والاتهام ونسج الحكايات والسيناريوات، على اقلّه الى فترة زمنية معقولة يستطيع المواطن في خلالها ان يرتاح من وجع الرأس الناتج عن الثرثرة، فيلتقط انفاسه ويهتم بشؤونه ومشاكله وهي كثيرة وكبيرة، واهمّها في هذه الفترة الانفجارات الشمسية الخطيرة التي قد تسبب اضراراً فادحة في كوكب الارض وناسه، في الوقت ذاته الذي يبشرنا وزير الطاقة ان الكهرباء ستنقطع طول الليل في كل لبنان باستثناء بيروت الادارية، وكأن بيروت بسمنة وباقي المناطق بزيت.
* * * * *
بالعودة الى الكمّ الهائل من التصريحات والخطب والمؤتمرات الصحافية والمقابلات التلفزيونية والاذاعية والتي تنشر في الصحف والمجلات، كان لافتاً جداً المؤتمر الصحافي القصير الذي عقده النائب وليد جنبلاط، بعد لقائه الرئيس السوري بشار الاسد، ومع ان مقدمته كانت ترداداً مملاً لما سبق لجنبلاط واعلنه اكثر من مرة، خصوصاً بعد تموضعه النهائي الجديد، الا ان مقترحاته التي طالب الدولة بها، ومقاربته لبعض القضايا المهمة، تحمل في طيّاتها مضموناً خطيراً على انتظام الحياة الادارية والقضائية والامنية، وتضع لبنان في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية، فحين يطالب جنبلاط بالغاء التعيينات الادارية والامنية، تحت حجّة انتقاء العناصر المأمون جانبها، حتى لا تسقط الادارات والاجهزة الامنية في قبضة عملاء اسرائيل، يحوّل المجتمع اللبناني الى مجتمع يحاكي المجتمعات الرازحة تحت حكم الخوف والرعب ودس الدسائس، والوشايات، ويصبح كل لبناني جاسوساً على اشقائه واهله وجيرانه، ويذهب الصالح بجريرة الطالح، وتكثر الانتقامات وتصفية الحسابات وتضيع الطاسة، ويتحوّل النظام الديموقراطي الحر الى نظام الفريق الواحد القادر على فرض رأيه واهدافه.
أمّا الاخطر من كل هذا، فهي الدعوة الى اقامة محاكم على غرار محاكم التفتيش في القرون الوسطى، او محاكم المهداوي وصدام حسين في العراق، حيث لا دفاع ولا استئناف ولا تمييز، بل احكام مبرمة باحراق المتهمين او بسحلهم، وفي الوقت الذي ينحو فيه العالم الى الغاء عقوبة الاعدام، يحرم جنبلاط المتهمين حتى من حق الاستئناف او التمييز، فلماذا المحاكم اذن والقوانين، بل علينا اعلان حالة الطوارئ والاحكام العرفية وتعليق الدستور، وتعليق المشانق معه.
التشدد مع العملاء الى اقصى حد، واجب وطني لا يختلف عليه اثنان، ورئيس البلاد جزم بأنه سيوقّع جميع احكام الاعدام التي تصدر عن المحاكم المختصة، فلماذا المزايدة، والذهاب في طريق لا تؤدي الا الى تخريب الدولة وفكفكتها.
من ناحية ثانية، سجلت مقاربة النائب جنبلاط لموضوع المحكمة الدولية من اجل لبنان، نوعاً من الارباك، فهو من جهة مع المحكمة، ومن جهة ثانية يشكك بنزاهتها وصدقيتها وحياديتها، في حين ان سوريا بلسان صحافتها، وحلفاءه الجدد، يعملون على الغاء المحكمة، ووقف تمويلها والتبرؤ منها، فكيف يستطيع ان يوفّق بين موقفين متوازيين لا يمكن ان يلتقيا، كذلك فان الارباك ينسحب ايضاً عند جنبلاط على موقفه من قوات الطوارئ الدولية، ففي الوقت الذي يرحّب بوجود هذه القوات واهلاً وسهلاً بها، يذكّر بمواقفها المنحازة في كوسوفو وافريقيا وغيرها من المناطق، ويدعو الى الحذر والتنبّه. اما في موضوع علاقة الجيش والمقاومة فان النائب جنبلاط ردد حرفياً ما يعلنه دائماً حزب الله وحلفاؤه من ان قوة لبنان هي في جيشه وشعبه ومقاومته، دون ان يردّ مباشرة على السؤال الذي طرح عليه حول طرح قوى 14 آذار، وخصوصاً حزب القوات اللبنانية بأن يبقى السلاح حيث هو، اي بيد حزب الله، وان يتحمّل الجيش مسؤولية القرار في الدفاع عن الارض، كما حصل تماماً في العديسة، وهو من يطلب المساعدة من المقاومة اذا شاء، لا ان تتدخل المقاومة ساعة تشاء هي، فماذا في هذا الطرح ما يسيء، ليسارع جنبلاط الى اتهام من يطرحه «بالتنظير والفلسفات»، واحياناً بالغباء، والانعزال.
العاقلون الثلاثة قالوا كلمتهم ورسموا الطريق للخروج من المأزق.
ورئيس الدولة والدولة والجيش قالوا ايضاً كلمتهم للداخل والخارج، ان الامر لي.
فلماذا اذن كثرة الحكي الذي لا قيمة له ولا نتيجة!