لم تتوقف خدمات هاتف "البلاك بيري" في لبنان، بعد، لكن وزارة الاتصالات والهيئة المنظمة للاتصالات، تجري إعادة تقييم للتبعات الأمنية والقانونية والاقتصادية لهذه الخدمات (من BBM-"اسينجر" (المراسلة) والدخول إلى الشبكات الإلكترونية الاجتماعية وتصفح المواقع الإلكترونية وأي نوع من تبادل المعلومات عبر الشبكة)، بهدف التأكد من أمنها وسلبيات "تشفيرها" وسريتها على الوضع الأمني في لبنان.
وأعلن وزير الاتصالات شربل نحاس أن في لبنان يوجد نحو 60 ألف مشترك بخدمات "البلاك بيري"، في حين أن أرقام خبراء الاتصالات تؤكد أن الرقم مضاعف.
نحاس، وفي حديث لصحيفة "السفير"، أشار إلى أن الوزارة تقوم بدراسة الملف، وتحضيره للتفاوض مع شركة RIM المصنعة للبلاك بيري، بهدف الحصول على البرنامج الذي يسمح للدولة بالوصول إلى معلومات أو البيانات منقولة عبر هذه الجهاز، التي قد تحتاجها في وضع ما.
وجزم نحاس أن تحضير الملف للتفاوض لا علاقة له بالحصول على أي معطيات أو مخاوف بالنسبة لخروقات إسرائيلية جديدة للاتصالات، لافتا إلى أن يتم التداول بالموضوع منذ أيام، في ما يعتبر حقا أساسيا، ومؤكدا أنه لم يتواصل مع الشركة حتى اللحظة، ولم يقرر حتى الآن اتخاذ أي تدبير احترازي لوقف هذه الخدمات حمايةً للاتصالات في لبنان، علماً أن المفاوضات قد تستغرق مدة شهرين.
إلى ذلك، قال نحاس: "انطلاق هذه الخدمات في لبنان في السنوات الماضية، جاء في ظل أوضاع غير طبيعية إن كانت حرب تموز أو الأحداث الأمنية في السنوات الأخيرة، وربما كان يمكن أن نكون أشد حرصاً ونحن نشرع هذه الخدمات في بلد بخصوصية لبنان".
من جهته، أشار خبير في قطاع الإتصالات لـ"السفير" أيضا، إلى أن خطورة خدمات "البلاك بيري" تكمن بالدرجة الأولى، في أنها عابرة للصلاحيات التشريعية التي تملكها الدولة لحماية المصلحة العامة، بمعنى أن لا يمكن لأي جهاز في الدول، وفق أي تشريع أن يصل إلى أي نوع من البيانات المنقولة عبر "البلاك بيري"، مهما كانت خطورتها، موضحا أنه في حين أُعلن أن دولا مثل أميركا وبريطانيا عملت على سن تشريعات تساعد على تطبيق القانون وتتيح للدولة اعتراض شركات الاتصالات لمساعدة الدولة على الوصول إلى خدماتها، يجب الانتباه إلى أن إسرائيل أيضاً أرغمت شركة "RIM" على الخضوع لقوانينها، في حين استخفّ لبنان في التدقيق في دفتر شروط هذه الخدمة، وتعامل معها كأنها مجرد تجارة ناجحة، من دون الأخذ بعين الاعتبار قدرة اسرائيل على خرق أمن الاتصالات في لبنان عبرها بسهولة.
بدوره لفت رئيس الهيئة المنظمة للاتصالات عماد حب الله لـ"السفير"، إلى أن إعادة التقييم لخدمات "البلاك بيري" تجري في ظل الخروقات الإسرائيلية لشبكة الاتصالات، حيث هناك محاولة لسد الثغرات كافة التي يمكن عبرها اختراق الشبكة،وأضاف: ونسعى لنجيب على أسئلة بشأن مدى أمان خدمات "البلاك بيري"، وكيف يمكن الدخول إليها في حالة الطوارئ، أو في حال احتاجت القوى الأمنية والعسكرية والقضائية إلى أي نوع من البيانات عبرها".
ولتوضيح الالتباسات والمخاوف بالنسبة سرية البيانات المنقولة عبر خدمات البلاك بيري ومدى خطورتها، أكد الخبير لدى الاتحاد الدولي للاتصالات رياض بحسون أن المشكلة الأساس أمام هكذا خدمات، معتبرا أن لبنان لا يملك السيطرة على أي من المعلومات المتبادلة عبرها، إذ تنتقل هذه الأخيرة من جهاز المستخدم في أي دولة في العالم إلى "مركز معلومات"-Data center يعمل وفق مشغل –server تابع للشركة المصنعة RIM، وهو خارج كل الجهات الرقمية في كل البلدان (إلا تلك التي وقعت اتفاقيات مع الشركة لتعديل خدمات أجهزتها، مثل بريطانيا وأميركا). وتابع: "هذه الحرية تسمح لأي جهة باستخدام خدمات البلاك بيري بطرق غير شرعية".
وأشار بحسون إلى أن من حق أي دولة أن تحمي اتصالاتها من جهة، وتبقي المعلومات والبيانات المنقولة عبر أجهزة داخل بلدها، محفوظة في "مركز معلومات" تابع لها، أو يمكن الدخول إليه، وهو ما تفاوضت بشأنه أميركا على سبيل المثال، حيث عدلت خدمات "بلاك بيري"، وطالبت بأن تُنقل المعلومات من المركز التابع لـ RIM إلى داخل أميركا عبر ما يُعرف بـ"mirror Data Center"، على أن يبقى لأميركا السلطة الوحيدة على هذه المعلومات، من دون أن تستطيع RIM أن تنسخها، ليشكل هذا حلاً نهائياً لهذه المشكلة.
أما ما يطالب به لبنان، ودول أخرى، ويعتبره بحسون "حقاً شرعيا"، هو حل موقت يقضي بالسماح بالدخول الى هذه المعلومات فقط، من دون أن يملك السلطة الوحيدة عليها.