آخر "الابداعات" ما قاله مستشار المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في ايران علي أكبر ولايتي، الذي يزور لبنان حاليا، من أن "المحكمة الدولية أصبحت في أيدي اسرائيل وحلفائها"، لافتاً الى "اننا نؤمن أن هذه المحكمة أصبحت أداة سياسية في يد الولايات المتحدة الاميركية والكيان الصهيوني". سمعنا هذه الابداعات ولكننا لم نسمع من أين استقى ولايتي نظريته هذه وكيف توصل الى هذا الاستنتاج الحاسم الذي يحاكي استنتاجات الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله من خلال حلقاته القضائية المتلفزة!
لن نقول اكثر في انتظار ما سيقدمه السيد نصرالله يوم الاثنين في التاسع من آب الجاري و بناء عليه نحكم. فقط نود ان نلفت قادة "الحزب المقاوم" الى حقيقة تجلت في الايام الاخيرة تتعلق بغيبيات سبق للسيد نصرالله و صحبه أن أطلقوها حول ما يسمى "البيئة الحاضنة للعمالة". فالكشف عن قضية العميد فايز كرم يثبت ان العمالة تعشش حتى في قلب ما يسمى الفريق الممانع والوطني!
و في مطلق الاحوال هنا ايضا نحن في انتظار ما سيخرج رسميا حول هذه القضية، و ما يثبت، وفي انتظار انتهاء التحقيقات والقرار الظني الذي سيصدر في حق كرم لنبني على الشيء مقتضاه.
نعود الى موضوع المحكمة الدولية و الحملة التي يقودها "حزب الله" عليها، ونعود الى الايحاء بأن ثمة وعودا أطلقت خلال قمة دمشق بين العاهل السعودي الملك عبدالله والرئيس السوري بشار الاسد تقضي بالعمل على تأجيل صدور القرار الظني مدة سنة على ان يتم ترتيب الوضع خلال هذه المدة بدءا بتجنيب لبنان "غضب" "حزب الله" و استعداده لـ"حمام دم" في الداخل بحجة انه منزّه لا بل معصوم!
تستطيع اي حكومة عربية السعي لمنع اصدار القرار الظني، و تستطيع ايضا ان تعمل على التخلص من المحكمة الدولية، ولكن ما من حكومة عربية في مقدورها، أياً تكن الاعتبارات، ان تضمن نجاح مساعيها. فإذا كنا لا نعرف موعدا محددا لصدور القرار الظني، كما لا نعرف مضمونه وما اذا كان سيتضمن اتهام اعضاء من "حزب الله" او مسوؤلين خارجيين بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه والجرائم الاخرى المرتبطة بها، فإنه من المؤكد ان صدور القرار الظني لن يتأخر كثيرا، وخصوصا اذا ما كان منتهيا كما يقال، و ذلك لأن التأخير المصطنع للصدور سيؤدي آليا الى تحكم الجهات المتورطة في الجرائم في مسار المحكمة لاحقا. كما انه كلما تركت الساحة مفتوحة امام الحملة التي يتصدرها "حزب الله" سيتآكل رصيد المحكمة وقدرتها على متابعة القضية التي من أجلها أنشئت. من هنا أن التهديد بقتل اللبنانيين ردا على صدور قرار ظني لا يناسب فريقا سيكون بمثابة الاختبار الفعلي الذي يواجه المدعي العام دانيال بلمار وصدقية ملفه. كما انه سيشكل اختبارا اساسيا لمستقبل عمل المحكمة في مرحلة المحاكمات، كما سيمثل اختبارا لمستقبل لبنان وقدرته على التحرر من منطق الترهيب المديد.
إن تراجع بعض السياسيين اللبنانيين عن شهاداتهم السابقة لاعتبارات معروفة هو ايضا اختبار مهم لمتانة الملف الذي سيقدمه المدعي العام، إذ سنرى ما اذا كان القرار الظني يرتكز حصرا على روايات قيادات سياسية حول تلك المرحلة ام انه سيكون مشبعا بأدلة وقرائن ميدانية تربط القراءة السياسية لتلك المرحلة وأدلة متعلقة بالتنفيذ العملي لجريمة الاغتيال.
إن أهمية انشاء لجنة تحقيق دولية، ثم محكمة دولية مختلطة، نابعة من ان كل اعمالهما ستخرج الى العلن، ولن يشبه عملهما عمل القضاء في كل الدول العربية بما فيها لبنان، فهذا يمتلك قاعدة بشرية صلبة وكفية مؤلفة من قضاة على مستوى عال، لكنهم يتعرضون لحملات الابتزاز والتهديد المستمرة.
كذلك ان أهمية المحكمة الدولية تنبع في ما تنبع من انها لن توقف اعمالها في حال عدم قدرة السلطات اللبنانية او غيرها على جلب المتهمين الى قوس المحكمة، لانها ستحاكمهم غيابيا ويصبحون ملاحقين في كل مكان كإرهابيين!
في مطلق الاحوال، نحن في انتظار ما سيدلي به السيد حسن نصرالله يوم الاثنين المقبل، وأملنا ان يثبت نظريته الوليدة بأن اسرائيل اغتالت قادة الاستقلال، وان نكون نحن "أولياء الدم" أخطأنا في أحكامنا السياسية، مثلما هو أملنا كبير في ان يأتي يوم نكتشف بالادلة الحاسمة ان اسرائيل اغتالت كمال جنبلاط وكل من تبعه من الشهداء الكبار مدى ثلاثة عقود.