#adsense

عن “حرب الشجرة” التي لم تقع و”الوضع الجديد” في جنوب لبنان

حجم الخط

كتب محمد مشموشي في "المستقبل": أياً كانت الرواية حول أسباب ودوافع "اشتباك الشجرة" في منطقة العديسة الجنوبية الأسبوع الماضي، فوقوف الجيش اللبناني في مواجهة القوات الاسرائيلية، وتحت عيون القوة الدولية "اليونيفيل" التي راقبت اطلاق النار وساهمت في وقفه ثم في حل الاشكال فيما بعد، يكشف عددا من الوقائع الميدانية، وبالتالي السياسية، التي ينبغي التوقف عندها:

أولا، ان مشهد الحدود الجنوبية للبنان يرسم الجيش اللبناني في جانب، والقوات الاسرائيلية في جانب آخر، فيما تفصل بينهما قوات الأمم المتحدة من جهة واتفاق الهدنة الذي وقع عليه البلدان في العام 1949 وقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701 من جهة ثانية. وصحيح أن العدوانية الاسرائيلية تجاه لبنان، كما تجاه العرب كلهم، لم تتوقف في السابق ولن تتوقف في المستقبل، الا أن المشهد على الأرض يضع لهذه العدوانية ضوابط دولية ـ سياسية وميدانية كذلك ـ كان لبنان دائما وما يزال حتى الآن في أشد الحاجة اليها.

ثانيا، ان "اشتباك الشجرة"، وأي اشتباك محتمل آخر، محكوم في النهاية بحدود لا يمكن لأحد أن يتخطاها الا اذا كانت نواياه تقضي بخلق الأرضية الملائمة لاشعال حرب شاملة لا تكون العديسة وحدها ولا الجنوب كله مسرحا لها. وصحيح أيضا أن مثل هذه النوايا موجودة لدى اسرائيل ولا يجوز إغفالها، لا الآن ولا في أي يوم، لكن الصحيح كذلك أن ما كان من لجوء الجيش اللبناني لاستخدام السلاح انما وجه الى العدو ما يجب من رسائل. ولعل الشكوى التي قدمتها اسرائيل على خلفية ذلك الى مجلس الأمن الدولي، وهي من المرات النادرة في تاريخ اسرائيل مع لبنان، تكفي للتدليل على استعادة الوضع على الحدود الجنوبية حاله الطبيعية كما هي حال الحدود بين دول العالم كافة.

ثالثا، ان الجنوب اللبناني لم يعد كما كان في السنوات الاربعين الماضية، مرة أرضاً لسلاح الفصائل الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية وحدها، وأخرى لسلاح "حزب الله" من دون ما عداه، تحت شعارات تبدأ من تحرير الأراضي اللبنانية وتصل الى تحرير الأراضي العربية المحتلة كلها، وانما استعاد هويته كأرض لأهله وللبنانيين جميعا من جهة وللشرعية اللبنانية التي يعترف بها المجتمع الدولي كله وتمثلها قواها العسكرية والأمنية من جهة ثانية. وتاليا، فما يحكم الوضع في هذه المنطقة، تماما كما يحكم الوضع في المناطق اللبنانية الأخرى، هو النظام العام اللبناني والدولي وليس أي شيء آخر.

لا يعني ذلك، في أي حال، أن الجنوب اللبناني تحول (بعد اشتباك الشجرة، وبسببه) الى واحة من السلام والأمن، ولا أن مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر قد عادت الى حضن الوطن، ولا حتى أن سلاح "حزب الله" شمالي نهر الليطاني قد تم تحييده تماما ونهائيا عن الوضع في الجنوب، الا أنه يضع ـ أو من شأنه أن يضع ـ هذه المسائل كلها في اطار مختلف… نظريا وعمليا على المستوى الدولي، هو الاطار الصحيح.

وبطبيعة الحال، فالاتصالات الخارجية المكثفة التي أجراها كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري لاستعادة الهدوء على جانبي الجبهة قد أدت غرضها تماما، وبالسرعة المطلوبة، على النقيض مما كان عليه الوضع لو أن المسألة كانت تتعلق باشتباك بين القوات الاسرائيلية ومقاتلي "حزب الله"، على سبيل المثال، أو بينها وبين أي من القوى المسلحة غير الشرعية على الأراضي اللبنانية.

ليس ذلك فقط، بل ان "اشتباك الشجرة" الواحدة هذا ربما تحول فعلا الى "اشتباك غابة كاملة" لا تعود قوات "اليونيفيل" ولا أية قوة سياسية دولية قادرة على حصره في مكانه في ما يسمى "المنطقة المتحفظ عنها" أو وضع حد له.

×××××

من نافل القول، ان حكومة بنيامين نتنياهو التي تتعرض لضغوط دولية في الفترة الحالية ان بالنسبة الى القضية الفلسطينية، او في ما يتعلق بانكشافها في مسألة تزوير جوازات السفر التي استخدمتها في اغتيال القيادي الفلسطيني محمود المبحوح في دبي، أو بالنسبة الى الجريمة التي ارتكبتها ضد سفن "اسطول الحرية" التركي، فضلا عن أزمتها الداخلية بين اليمين واليمين المتطرف والأحزاب الدينية، ربما تكون في موقع من يبحث عن "مخرج" لها يقيها الضغوط الخارجية بقدر ما ينقذها في الوقت نفسه من مأزقها الداخلي.

وفي السياسات العالمية، وسياسات حكومات اسرائيل بالذات، معروفة جيدا ومجربة تكرارا مقولة "الهروب الى الأمام" ونظرية افتعال معارك ساخنة، أو باردة، مع الخارج في مثل هذه الحالات.

ألم يكن واردا، لو أن الاشتباك في منطقة العديسة لم يكن مع الجيش اللبناني، أو لو أن طرفا آخر ـ "حزب الله" مثلا ـ تدخل فيه بشكل أو بآخر، أن تلجأ حكومة بنيامين نتنياهو الى مثل هذه التجربة خصوصا في الظروف الاقليمية والدولية الراهنة؟.

وماذا كان سيكون موقف اللبنانيين من "حرب الشجرة" هذه، ومن شأنها أن تكون مدمرة فعلا كما يهدد العدو منذ فترة، بعد أن عانوا ما عانوه من قتل وتدمير وإفقار وتهجير في الحروب المتنقلة والمتنوعة على امتداد السنوات الماضية؟.

×××××

مرة أخرى، وأياً كانت الرواية الحقيقية حول أسباب ودوافع الاشتباك ("اشتباك الشجرة") مع القوات الاسرائيلية في منطقة العديسة الحدودية، يستطيع لبنان أن يبني حركته المقبلة بازاء اسرائيل والمجتمع الدولي على الوضع الجديد في الجنوب: وضع الدولة التي هي في حالة عداء كامل مع اسرائيل، على خلفية موقفها القومي العربي من جهة واحتلال أجزاء عزيزة من أرضها من جهة ثانية، ولكن في الوقت نفسه وضع الدولة الملتزمة التزاما كاملا اتفاق الهدنة للعام 1949 وقرارات الشرعية الدولية ومجلس الأمن الدولي وفي مقدمها القرار 1701 للعام 2006.

وما دام الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله قد وعدنا، في آخر اطلالاته، بأنه لن يكون البادئ بأي عمل عسكري ضد اسرائيل، وبأن دور الحزب سيكون دفاعيا فقط في حال تعرض لبنان للعدوان، فان الوضع الجديد في الجنوب (عمليا، في لبنان كله) يكون قد بات واقعا سياسيا واجتماعيا وميدانيا، وبالتالي دوليا، على الأرض.

هل كانت زيارة الرئيس ميشال سليمان أمس الى منطقة العديسة، وبعد أقل من أسبوع على الوضع الجديد في الجنوب، تعبيرا واقعيا عن هذه الحقيقة؟.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل