الأمن خط أحمر ، والحكومة باقية ، والمحكمة لكل حادث حديث

لا يُلام اللبنانيون إن حبسوا أنفاسهم واجتاحتهم هذه الايام موجة من القلق والترقب وسط هذا الكم الهائل من التشويش والاقاويل والتسريبات الموجهة والحملات المنظمة والتوترات والانفعالات المبالغ فيها . فكان ان سقط الوضع برمته تحت الصدمة وفي اجواء احباط وهلع غير مبررة ولا تستند الا إلى تخمينات وشائعات.

مما لا شك فيه ان الوضع في لبنان دقيق وصعب نظراً لارتباطه بأوضاع ساخنة وملفات شائكة ومعقدة في المنطقة ولبنان ليس جزيرة معزولة وانما هو جزء من المنطقة ويتفاعل بقوة مع قضاياها ومشاكلها . ولكن لبنان بات متمتعاً بمناعة داخلية بالحد الادنى ومظلل بحماية عربية ورعاية دولية ، وبات اللعب بأوضاعه واستقراره كمن يلعب بالنار ويكون أول من يحترق بها ومن ضحاياها.

للخائفين والقلقين من انهيار محتمل في الاوضاع الامنية والسياسية نقول ما يلي :

1 – ان الزيارة المشتركة التي قام بها العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس السوري الدكتور بشار الاسد كانت زيارة بالغة الدلالة في مغزاها ورسائلها وأول هذه الرسائل ان لبنان واقع تحت مظلة عربية واقية وان التفاهم السوري – السعودي الذي انتج ورعى حكومة وحدة وطنية سينتج تسوية للأزمة الراهنة ولن يسمح بالعودة إلى الوراء وبإعادة انتاج أوضاع ومشاهد اصبحت من الماضي . مصادر سياسية عليمة و موثوقة تؤكد ان القمة العربية الثلاثية التي انعقدت في قصر بعبدا خلصت إلى تكريس وترسيخ الاستقرار على مستوييه الامني والسياسي ، وإلى ان معادلة الاستقرار لا تتعارض ابداً مع مسار المحكمة الدولية التي تستمر في مسارها القانوني مجردة من أي محاولات للتسييس والاستخدام في أغراض أخرى غير الحقيقة والعدالة …

وتضيف هذه المصادر بإن الملك عبدالله أخذ على عاتقه مهمة السعي إلى مخارج وحلول للأزمة المستجدة حول المحكمة الدولية وبما يؤدي إلى نزع صاعق التفجير منها وإلى تعطيل أي محاولات لتسييس المحكمة وتحويلها إلى مشروع فتنة… ومن جهته أخذ الرئيس بشار الاسد على عاتقه مسألة تثبيت معادلة الاستقرار والأمن في لبنان والتأكيد عليها . بحيث يبقى كل خلاف حول المحكمة الدولية أو غيرها في اطاره السياسي من دون ان يتسرب إلى الشارع ويحمل تهديداً للأمن والسلم الأهلي والوحدة الوطنية…

وختم المصدر قائلاً ان الايام الآتية ستكون كفيلة بتظهير صورة هذه التسوية التي ستخرج الوضع اللبناني من " عنق الزجاجة " وتضع المحكمة الدولية على المسار الصحيح وعلى قاعدة الفصل بين المحكمة والوضع الداخلي كما على قاعدة تثبيت اتفاق الطائف واستكمال تنفيذه والتأكيد على اتفاق الدوحة .

2 – اتفاق الدوحة ما زال ساري المفعول في الروحية والتوازنات وقواعد اللعبة التي أرساها والتي ليس لأي فريق الرغبة والقدرة على تجاوزها أو نسفها . وهذا معناه بكل بساطة ان لا 7 ايار جديدة وإن حصلت سياسياً عودة جزئية إلى أجواء ما قبل 7 أيار…

لا مصلحة في 7 ايار جديد والاطاحة بالوضع القائم . فلا حزب الله في وارد تكرار تجربة مريرة وخطأ فادح يصبح في حال تكراره خطيئة ، وهو يعرف تماماً مخاطر الانزلاق إلى أي فتنة يعرف الجميع كيف تبدأ ولا يعرف أحد كيف تنتهي ، والكل فيها خاسرون وسيكونون وقوداً لها أو من ضحاياها … ولا سوريا في وارد التساهل مع مشروع الفتنة ومع أي تجاوز لخط أحمر هو الأمن من أي جهة أتى ، وهي التي قطعت شوطاً في اعادة بناء علاقات ثقة واحترام مع لبنان دولة وطوائف وقيادات. ولا المجتمع العربي والدولي يسمح بتقويض الاستقرار في لبنان لأن استقرار لبنان هو في اساس استقرار المنطقة التي تتهيأ للدخول في مرحلة جديدة وواعدة من مراحل عملية السلام .
3 – حكومة الرئيس سعد الحريري باقية وهي ضمانة الوحدة الوطنية ومرتكز الاستقرار ، واي تفريط بها يعني الدخول في مغامرة وطنية وسياسية غير محمودة العواقب وغير مضمونة النتائج … ومن يقول ويدعي ان حكومة الوحدة الوطنية اذا انهارت سيكون من السهل والممكن تشكيل حكومة مكانها ، وان سعد الحريري اذا تخلى عن رئاسة الحكومة طوعاً أو قسراً سيكون من السهل ايجاد بديل عنه يحظى بدعم الطائفة السنية التي يمثلها في الحكم وبقبول الشارع السني … من يقول ويدّعي ذلك يكون واهم و غبيّ و بعيد كل البعد عن الواقع والحقيقة. ومن يريد الخوض في مشروع تغيير حكومي عليه ان يعلم سلفاً ان أي حكومة جديدة ستكون نسخة عن الحكومة الحالية ولن تكون مختلفة في تركيبتها وتوازناتها، واذا حصلت تعديلات فإنها ستنحصر في شكليات ووجوه وأسماء ولا تمس جوهر الحكومة واساسها . أما اذا أراد البعض من وراء التغيير الحكومي اقصاء وابعاد قوى وشرائح سياسية ونيابية اساسية وفاعلة ، فإن الامر غير ممكن لا بل مستحيل لأنه في ذلك خروج عن روحية اتفاق الدوحة وعودة مرفوضة إلى زمن العزل والتهميش خصوصاً ان الاحداث والايام الماضية اثبتت ان الوطن هو لكل ابنائه و لايمكن لأي فريق مهما بلغ من قوة وملك من سلاح من عزل فريق لبناني آخر…

4 – أما في ما خص المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ، فإنها أضحت في مسارها ومصيرها شأناً دولياً ، وخرجت من تأثير ونفوذ اي جهة ، داخلية كانت أم خارجية . وأما وقد حصل توافق وطني على المحكمة الدولية بحيث ان أحداً في لبنان ليس ضد المحكمة والوصول إلى الحقيقة وإحقاق العدالة ، كما ان أحداً في لبنان ليس مع تسييس المحكمة واستخدامها لغير الاغراض والاهداف التي وجدت من اجلها وان اللبنانيون بكل طوائفهم ومذاهبهم واحزابهم سيرفضون رفضاً مطلقاً استعمال المحكمة الدولية كأداة ضغط وابتزاز على حزب الله من قبل قوى خارجية تسعى للفتنة بين اللبنانيين ، إن الوصول إلى ترجمة عملية لهذا التوافق وإلى صيغة تفاهم ليس بالأمر المتعذر وانما سيكون متيسراً إذا صدقت النيات والاستعدادات وكان سعي مشترك إلى درء الفتنة ووأدها في مهدها من خلال وعي قيادات الصف الاول ووضع المصلحة الوطنية العليا فوق كل المصالح الخاصة والذاتية اولاً وثانياً من خلال توسيع جدول اعمال طاولة الحوار ومناقشة موضوع المحكمة الدولية بما يضمن المصلحة اللبنانية والوحدة الوطنية بكل جرأة وصدق وموضوعية.. وفي المقابل ايضاً يخطىء حزب الله في استباق عمل المحكمة وقراراتها ، من خلال اتخاذ مواقف مسبقة مبنية على تقديرات وهواجس ، كما لا يجوز ايضاً الاسترسال في رسم سيناريوهات مثيرة من قبل بعض القيادات المسيحية، وانما يجب انتظار ما سيصدر عن المحكمة وبعد ذلك لكل حادث حديث

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل