خلال جولته على المواقع المتقدمة في الجنوب ولا سيما موقع العديسة، وجه رئيس الجمهورية رسالة سياسية على جانب كبير من الاهمية مفادها ان "الجيش استعاد الدور المناط به بعد حرب تموز 2006 في شكل كامل واساسي، كما اعلن في نهاية جولته الجنوبية اطلاق حملة تسليح الجيش اللبناني كي يصل تسليحه الى مستوى متقدم يمكنه من ردع اسرائيل على جميع المستويات.
هذا نبأ سار لكل اللبنانيين، خصوصا ان الغالبية العظمى منهم تتوق الى اليوم الذي يصبح فيه الأمن شرعيا لا مستعارا او مغتصبا كما هي الحال اليوم. فبناء جيوش موازية من خارج الاطار الشرعي الجامع، وإن اقترن بكل المداهنة والممالأة السياسية الكاذبة التي تحوطه منذ ايار 2008 يبقيها جيوشا منقوصة الشرعية ومشاريع فتنوية بامتياز. فالأمن الفئوي المجند في إطار مشاريع خارجية مورطة للبنان، هو أمن قاتل للوطن وللعيش المشترك مهما قيل ومهما تعالت أصوات تفوح منها رائحة الخوف والهلع لتقول العكس. ويكفي التوقف لحظة امام ما حصل في العديسة حيث خاض الجيش اللبناني معركة محدودة مع الاسرائيليين، فحصد تحلقاً لبنانياً جامعاً حوله ليس بسبب استبسال الجنود بل بسبب المعنى الذي ولده خوض الجيش معركة تأتي من ضمن واجباته الحقيقية، وفي مكان ما كان الاجماع والحماسة الوطنية التي تفجرت امس يعكسان موقفاً لبنانياً اعتراضيا على جيش الدويلة. وحده الجيش وإن اخطأ يقبل به اللبنانيون بلا اعتراض، اما كل الجيوش الفئوية او المستتبعة للخارج، سواء حملت تسمية "مقاومة"، او ارهبت الناس بالسلاح فتبقى مرفوضة لانها لا تعكس صورة لبنان الكيان، ولا حكم القانون، ولا أمان التنوع والتعددية، وقدسية الحريات بكل وجوهها.
من هذا المنطلق تكون حملة تسليح الجيش حملة في سبيل اعلاء شأن الدولة الواحدة، ولا يحد من اهميتها بعض النقد الموجه الى القيادة التي تبالغ بين الفينة والاخرى في خدمة مشروع الدويلة في أوجهه السياسية والامنية والعسكرية. فالمهم ان ينظر اللبنانيون الى الصورة الكبرى واساسها تعزيز الدولة ومؤسساتها والجيش والأسلاك الامنية بكل فروعها بشرط ألا تسلس قيادها لنقيضها الموضوعي والواقعي!
ان تسليح الجيش يجب ان يتقدم كل جهد آخر، وقد اشار الرئيس سليمان الى ان للبنان الحق في ان يمتلك سلاحا مضادا للطائرات، نحن نقول اكثر ان للجيش اللبناني الحق في امتلاك قوة صاروخية كبيرة شبيهة بتلك التي يمتلكها "حزب الله" كي يتمكن في اقرب وقت من أن يصبح وحده على الارض، فيجري حل الجناح العسكري والامني لـ"حزب الله" في شكل منطقي ومعقول. والحال إن "حزب الله" الذي كان معتبرا قوة تحرير، تحول بعد العام 2000 قوة نصف تحريرية إذ اقتصر نشاطه على عمليات تذكيرية، وبعد حرب تموز انتهت مهماته التحريرية ليطرح نفسه قوة حماية للبنان. وبالتالي إن نجاح خطة تسليح الجيش سيعيد مهمة حماية لبنان الى الشرعية.
على اللبنانيين بكل قواهم السياسية، وحتى "حزب الله"، دعم حملة الرئيس لأنها وحدها تحمي لبنان بالتلازم مع احترامه الشرعية الدولية وقراراتها التي لم تأت مرة ضد مصالحه. وكلما اسرعنا في جعل جيش لبنان الذي يخضع لإمرة القيادة السياسية اللبنانية قويا، جنبنا لبنان المزيد من الازمات التي ستتوالد بفعل الواقع السائد حاليا.
نقولها بكل صراحة ان لا امل للبنان وللبنانيين في حياة وطنية حقيقية في ظل دولة القانون والحريات إلا بانتهاء الحالة الشاذة السائدة حاليا.