الى الهوة المتسعة باطراد بينه وبين سائر القوى والاحزاب والشخصيات المسيحية في قوى 14 آذار، جاءت مطالبة رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط في مؤتمره الصحافي الاخير بالغاء دورة التطويع في قوى الامن الداخلي، لتزيد أجواء الاحتقان بين الجانبين، ولو أن أي رد علني محدد على هذا الموضوع لم يصدر بعد.
قصة التوازن المفقود في قوى الامن الداخلي والدرك قديمة ومزمنة، وغالبا ما رفعت المراجع والقوى المسيحية الصوت بالشكوى من الخلل الطائفي فيها، خصوصا لمصلحة السنة.
وقد وضعت حكومة الرئيس سعد الحريري هذا الموضوع على مشرحة المعالجة الجدية، وبكثير من العناية والاهتمام. ولئن بدت القوى والمراجع المسيحية بدورها مقصرة في استنهاض الشباب وحضهم على التطوع في قوى الامن الداخلي، فقد جرت مراجعات واتصالات ولقاءات عدة قبل أشهر لحمل هذه المراجع والقوى على الاضطلاع بدورها في ملاقاة القرار الحكومي والامني الحاسم باعادة التوازن الى هذا السلك المهم وعدم الاكتفاء برفع الشكوى فقط.
ويبدو أن المعالجة سجلت نجاحا كبيرا للمرة الاولى، اذ حملت آلاف الشبان المسيحيين على التطوع في الدورة المفتوحة التي تبين انها ضمت للمرة الاولى ايضا غالبية مسيحية، مما يعتبر تطورا بالغ الأهمية.
في ضوء هذا التسلسل لتطور هذا الموضوع، جاء المؤتمر الصحافي لجنبلاط الاسبوع الماضي ليحدث صدمة سلبية شديدة حياله لدى العديد في الاوساط المسيحية تحديدا. واذا بدت هذه الصدمة طبيعية بازاء الرغبة في اعادة التوازن الى عديد قوى الامن الداخلي وتوفير فرص العمل لآلاف الشباب، فان ما يستدعي التوقف عنده ايضا هو بعض ما يدور في تفسير موقف جنبلاط وخلفياته السياسية كما يراها من أغضبهم موقفه ومطالبته بإلغاء دورة التطويع.
يشير المطلعون على هذه الاجواء الى ان هناك أصولا واجراءات وترتيبات معروفة للقاصي والداني في تطويع الافراد في الاسلاك العسكرية والامنية تجعل مطالبة جنبلاط بالغاء الدورة، بذريعة التدقيق في منشأ المتطوعين وعائلاتهم ومحيطهم، أشبه بتبنٍّ مضمر لمقولة "البيئة الحاضنة" للمتهمين بالتعامل مع اسرائيل التي أطلقها قبل أسابيع الامين العام لـحزب الله السيد حسن نصرالله، مما يستتبع ضمنا توجيه أصابع الاتهام الى بيئة معينة يغلب عليها المسيحيون، ذلك أن أسلاك الجيش او قوى الامن او أي جهاز أمني آخر، تُجري بنفسها وعبر لجان التطويع وأجهزة الاستقصاء الخاصة بكل منها تحقيقات وافية عن كل متقدم الى التطوع تلقائيا. وحتى في الحال المعروفة للشفاعات والوساطات السياسية والنيابية وسواها فان ذلك لا يحول دون قيام هذه الاسلاك بواجباتها في الاستقصاء. وهو أمر ينفي أي حاجة الى المطالبة بالغاء الدورة، الا اذا كان هناك أمر آخر وراءها. و"يأمل" المطلعون ألا يكون هدف اثارة هذه المطالبة أبعد مدى، وهو "إقصاء" فئات معينة من الشباب المحسوب على قوى سياسية وحزبية معروفة عن السلك، مما يفتح الباب واسعا على نتيجتين شديدتي السلبية: حمل هؤلاء الشباب على الانضمام الى قوافل المهاجرين بعد انسداد فرص العمل امامهم، وبداية تفاعل سياسي شديد السلبية بين جنبلاط والقوى التي تعتبر نفسها هدفا لرميته الاخيرة.