تلفزيون الواقع لهذا الصيف لا يغني عن المنظومة الحقوقية في بيروت أمّ الشرائع
المشكل في لبنان اليوم حول القانون بشكل عام وليس فقط المحكمة الدولية
بنيت المنظومات الحقوقيّة وسنّت الشرائع والقوانين بهدف أساسيّ وهو تفادي "نظريّة المؤامرة" التي يقود إليها لا محالة "العقل الخرافيّ".
فالعقل الخرافيّ الذي لا يعرف رابطاً يصل ما بين الظواهر والأشياء غير الربط الإنطباعيّ والسحريّ يرفد دائماً نظريّة المؤامرة.
ونظرية المؤامرة تعني في هذا المجال أنّه يمكن لأي كان أن يتعفّف عن أيّ إثم إرتُكِب، أو أقلّه أن يستغني عن وجوب كشف هذا الإثم، بدعوى أن ثمّة مؤامرة واحدة، فوق المكان وفوق الزمان، وأنّ ثمّة عنصرا واحدا يرتكب كل الشرور، وأنّه من المباح تماماً، بل من المطلوب، ربط كل الشرور به، بالدليل الإنطباعي حينَ لا يتوفّر الدليل القاطع.
وهكذا فإنّ العقل الخرافيّ ونظريّة المؤامرة يترادفان في خطرهما على المجتمع، وعلى الشرطة والسياسة في أي مجتمع. ذلك أنّ المنظومة الحقوقية ونظريّة المؤامرة لا يجتمعان. إمّا هذه وإمّا تلك. وإذا ما سلّمنا جدلاً بأنّ مجتمعاً اختار أن يعيد بناء نفسه على أساس نظريّة المؤامرة فإنّ أساس كل تشريع، أي الوصيّة بأن "لا تقتل" تفقد سندها ويبوخ فحواها.
هذا هو عمق المشكل في لبنان حالياً.
ليست المسألة محكمة دوليّة أو قراراً ظنيّاً. ليست المسألة هي العلاقة بين القانون الوطنيّ والقانون الدوليّ، ولا حتى بين النظريّة الحقوقيّة المحالة في آخر التحليل على الغيب وبين النظريّة الحقوقيّة الوضعيّة. المسألة تتعلّق قبل كل شيء بالموقف الذي ينبغي أن يتخذه اللبنانيّون من مسألة القانون بشكل عام، والقانون الجنائيّ بشكل خاص، ذلك أنّ القانون الجنائيّ أساس كل قانون، ما دام الأمر بأن "لا تقتل" هو في عمق أي تشريع.
المسألة ليست قانونية بالمعنى التقنيّ البحت إذاً. إنّها قانونيّة بمعنى أوسع وأشمل. إنّها مسألة أخلاقية بامتياز. المعركة في لبنان اليوم ليست بين معسكرين سياسيين. إنّها معركة التحدّي. إمّا الغرق في متاهات العقل الخرافيّ المحكوم بنظريّة المؤامرة، أي بتفسير الكون والفساد منذ بدء الخليقة وإلى اليوم بمؤامرة واحدة يقوم بها عنصر واحد وعليها ألف ألف دليل انطباعيّ ولا أيّ دليل قطعيّ، وإمّا الإلتزام بالمحدّدات الأخلاقية القانونية التي لولاها لما صمدت الحداثة السياسيّة الغربية ولما راكمت ما راكمته وما يتجلّى في عصرنا من خلال تجربة الديموقراطيات الليبرالية التي تصون وحدها التراث الحقوقيّ للبشريّة.
في لبنان اليوم هناك من يخرج على فكرة القانون من أساسها. سواء كان قانوناً منزلاً أو طبيعياً أو وضعياً. وجب إذاً من ينهض ليدافع عن هذه الفكرة الأساسيّة، أي عن أساس التشريع السماويّ قبل كل شيء آخر، الأساس الذي يجد مختصره في الأمر بأن "لا تقتل".
فالسؤال بسيط للغاية: هل نحن بحاجة إلى القانون وإلى القضاء للفصل في أمر، أم أنّ المعادلة السياسيّة الأمنيّة، بل المعادلة السلاحيّة الأمنية، هي التي تتكفّل بذلك؟ وإذا كان الحال كذلك في بيروت، أمّ الشرائع، فلماذا لا تبادر جميع الجامعات في بيروت لإقفال كليّات الحقوق؟
ما نفع الكليات الحقوقيّة في بلد لم تعد به حاجة إلى القانون، وبالذات إلى القانون الجنائيّ، وصار فيها "تلفزيون الواقع" المتواصل هذا الصيف بديلاً عن القانون؟