الكلام على فتنة يقلق اللبنانيين أكثر من حرب مع إسرائيل
هل الدولة قادرة على حماية الجميع ؟
الكلام على احتمال حصول فتنة في لبنان سواء بسبب القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه او لأي سبب آخر، هو الذي يقلق الناس اكثر مما يقلقهم احتمال وقوع حرب بين لبنان واسرائيل لان خطر الداخل يظل اكثر ضررا من خطر الخارج الذي يمكن مواجهته بوحدة صف وموقف.
والكلام نفسه يجعل اللبنانيين يتساءلون أمَا من دولة وجيش وقوى امن داخلي تمنع حصولها او تستطيع وأدها وهي في المهد؟ فاذا لم يكن في الاستطاعة ذلك فأي معنى لوجود دولة وجيش وقوى امن داخلي، ولماذا تدفع الاموال الطائلة على التسليح اذا كان مطلوبا من كل انسان ان يحمي نفسه بنفسه عندما لا يعود ثمة من يحميه.
لقد عجزت الدولة وقواتها المسلحة في الماضي عن وقف الاقتتال بين اللبنانيين والفلسطينيين ثم بين اللبنانيين واللبنانيين لان الدولة لم تعد موجودة وحلت محلها دويلات الميليشيات ولم يعد حتى دور للقوات المسلحة لأنها انقسمت علي نفسها سياسيا ومناطقيا ومذهبيا. ومعلوم ان وحدة هذه القوات هي من وحدة الشعب وليس العكس، فكان لا بد من الاستعانة بقوة عربية مستعارة ثم بقوة سورية لوقف الاقتتال.
وعند حصول حوادث 7 ايار لم تتمكن القوات المسلحة من مواجهتها لان هذه الحوادث اتخذت طابع الانقسام السياسي والمذهبي، ولم يكن في استطاعتها التدخل لوقفها لئلا تنقسم على نفسها كما حصل لها في الماضي فآثرت القيام بدور قوة الفصل بين المتواجهين في الاحياء والشوارع، عدا ان قوة طرف لبناني هو "حزب الله" تفوق قوة القوات المسلحة وقدرتها على المواجهة، لذلك التزمت الوقوف عند خطوط التماس من دون ان تتدخل مباشرة حرصا على وحدتها وعدم تعريضها للانقسام.
والسؤال المطروح الذي يثير قلق الناس وخوفهم هو: هل باتت الدولة وقواتها المسلحة موجودة وفاعلة بل قادرة على منع الفتنة وعلى اطفائها في حال اشتعالها كي لا يضطر كل مذهب وكل طائفة وكل حزب الى اعتماد الامن الذاتي بحيث يتولى كل طرف حماية نفسه بنفسه؟ واذا كان تسليح قوات الدولة يجعلها قادرة على الدفاع عن حدود الوطن، فهل يجعلها قادرة ايضا على حماية المواطن كي يكون للتسليح جدوى وفائدة، ويقبل الجميع على التبرع وتحمّل حتى الضرائب لهذه الغاية؟
الواقع ان الفتنة لا تكون فتنة الا عندما تكون بين اطراف عدة فيصعب عندئذ على القوات المسلحة نظرا الى دقة تركيبتها السياسية والمذهبية التدخل لقمعها. اما عندما يكون طرف واحد مسلح فانه لا يمكنه ان يشعل فتنة مع طرف غير مسلح، بل تستطيع القوات المسلحة اذ ذاك مواجهة الطرف المسلح من اجل حماية الطرف غير المسلح.
لذلك اذا كان "حزب الله" وهو الطرف المسلح يرفض استخدام سلاحه في الداخل عملا باتفاق الدوحة، فمن هو الطرف الآخر الذي يستطيع اشعال فتنة ولا تكون القوات المسلحة قادرة على التصدي له؟ وهذا ما جعل نائب رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" النائب جورج عدوان يعتبر ان "الفتنة تتطلب فريقين في وقت نحن لن نلجأ الى العنف ولن ننزل الى الشارع مهما حصل، وبالتالي ان من سيلجأ الى العنف ستكون مشكلته مع الدولة وليس معنا، وان من لديه مشكلة مع المحكمة عليه ان ينتظر القرار الظني، فعندها يأخذ الوقائع والقرائن والدلائل ويشرحها ويبحث فيها ويدرسها، وفي المقابل يقدم ادلة ووقائع وقرائن مضادة وشهودا مضادين". ودعا الى "التعاطي بهدوء مع هذه المواضيع الحساسة التي تطاول استقرارنا رأفة بالناس والبلاد".
ولا شك في ان لبنان اذا حافظ على وحدته الداخلية فانها ستكون السلاح الامضى لمواجهة اسرائيل التي لن تدعه يرتاح وستجد في انهيار هذه الوحدة فرصة ذهبية للانقضاض عليه، فلا يجب إذاً ان تعطى لها هذه الفرصة باشعال فتنة داخلية لأي سبب من الاسباب، وان القوات المسلحة اذا كانت عاجزة عن مواجهة اسرائيل مهما بلغ حجم تسلحها، فينبغي ان تكون قادرة اقله على مواجهة اي عنف داخلي لكي يكون لتسليح هذه القوات جدوى وللانفاق عليها نتائج.
ان حماية السلم الاهلي هي المسؤولية الاولى للمؤسسة العسكرية، وهو ما يعول عليه اللبنانيون لانه يتعلق باستقرارهم، فلا فتنة اذا كان الجيش اللبناني مضطلعا بدوره على اكمل وجه وكان اللبنانيون مقتنعين بذلك ويمحضونه كامل ثقتهم ويلتفون حوله كما التفوا حوله في معارك نهر البارد وفي اشتباكات بلدة عديسة الاخيرة مع الجيش الاسرائيلي، وهو ما ينبغي ان يحصل عندما يواجه فتنة داخلية ويعمل على قمعها، لا ان نكون مع الجيش عندما يواجه عدوا خارجيا ولا نكون معه او ننقسم حوله عندما يواجه فتنة داخلية او تعكيرا للأمن. فسلاح الجيش يجب ان يكون فوق كل سلاح وفوق كل اعتبار، وينبغي تمكينه من القيام بواجبه خصوصا عندما يكون مستكملا العدة، فقوة البلاد هي من قوة جيشه، وليس من قوة اي طرف آخر لانه رمز وحدة الوطن، ووحدة الوطن من وحدته، وان قوة الجيش تجعل كل اللبنانيين يلتفون حوله دعما لها، فيما قوة اي طرف لبناني تفرّق ولا تجمع.
لقد نجح الرئيس ميشال سليمان في جعل الحكمة اهم من السلاح لا ان يكون السلاح وحده هو الذي يحمي بل الوفاق والتوافق والوحدة الوطنية.
وهو عرف متى يقف في خط الوسط ومتى يقف عند خط التماس، ومتى يدير التوازنات السياسية، ومتى يفرضها، ويجعل استخدام سلاح المقاومة في زمانه ومكانه انتصارا للوطن وليس تحقيقا لمكسب داخلي وانتصارا لطرف على آخر، والا يوظف سلاح الدولة لتصفية حساب مع فريق لمصلحة فريق آخر. ويرى الرئيس سليمان ان الحرب الاهلية تولد في العقول ولا تولد في المسدسات، واذا كان من حق اللبنانيين ان يقلقوا من حرب اسرائيلية، فلا ينبغي ان يقلقوا من فتنة داخلية اذا احتكموا الى عقولهم وليس الى سلاحهم.