شكّل المؤتمر الصحافي للأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله ذروة في الحملة على المحكمة الدولية الناظرة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إذ طرح جملة معطيات نترك للمدعي العام دانيال بلمار ان ينظر فيها ويحدد موقفا منها. جاءت حملة السيد نصر الله في سياق محاولة لطرح معادلة على اللبنانيين مفادها ان طلب الحقيقة ثم العدالة سيتم الرد عليه بالدم، اي أن على اللبنانيين ان يتخلوا عن ملاحقة القتلة وان يأخذوا بما ادلى به على انه "الحقيقة" الوحيدة التي يمكن الاعتداد بها. عفوا، لكن هذا غير ممكن، وليس كل ما يصدر عن "حزب الله" و/ أو أي مسؤول فيه كلاما منزلا. بل ينبغي التدقيق بكل كلمة وقد اعتدنا الحملات التهويلية خلال السنوات الخمس الماضية والاتهامات بالعمالة على شاشات التلفزيون، وحتى الوعود المنكوث بها في اكثر من مناسبة. ان معطيات المؤتمر الصحافي قد تكون صحيحة وقد لا تكون. من هنا وجب التدقيق والتمحيص، اي عدم رفضها، وعدم الاخذ بها أيا تكن الاعتبارات. أما اتهام لجنة التحقيق الدولية والمحكمة بأنهما ادوات اسرائيلية اميركية فليسمحوا لنا بألا نتوقف عنده، وخصوصا انه يأتي من جهة لا ثقة بها.
في هذا الاطار يأتي موقف القاضي دانيال بلمار الذي خاطب البارحة السلطات اللبنانية طالبا منها ان تمده بكل المعطيات والشرائط التي أذيعت في المؤتمر الصحافي للسيد نصر الله ليدرسها، فيصب ماء باردا ويثبت ان المسار الوحيد القائم هو مسار المحكمة الدولية التي لا يجوز ان تخضع لاي نوع من انواع الابتزاز، لا بالتهويل عليها، ولا بشتمها بحناجر الشتامين، ولا بتهديد قضاتها، ولا بتوعد اللبنانيين بحمام دم إذا صدر القرار الظني، ولا بالايحاء أن البلاد مقبلة على انقلاب على الدولة والنظام، ولا حتى بالتلويح بالانزلاق نحو حرب اقليمية. ان التعامل مع الاغتيالات التي حصلت في مرحلة 2004 – 2008 يفترض ان يبقى في عهدة المحكمة الدولية باعتبار ان ثقافة قتل الاحرار والمعارضين، والافلات من المحاسبة والعقاب، لا يمكن ان تستمر الى ما لانهاية في هذا الشرق العربي. فإذا كان الواقع المعقد للخريطة الاقليمية فرض نوعا من التسويات هنا او هناك، فإن قضية وقف الاغتيالات، ومنع الارهاب السياسي من الانتصار هنا يجب ان تتصدر الاولويات. فما يمكن ان نتنازل عنه اليوم سيرتد على الاجيال المقبلة. والسؤال، اي لبنان نريد ان نورث للاجيال المقبلة؟ لبنان اسير الخوف؟ ام لبنان الحر القابل للعيش بسلام؟ لبنان واقع في قبضة نظام فاشي؟ ام لبنان يعيش انسانه حرا لا عبدا مقهورا؟
ان افضل ما سمعت في الآونة الاخيرة، جاء على لسان العزيز الياس المر الذي كانت له جرأة الانتفاض على حملات العهر التخويني في البلاد، حيث الضحية جلادا والجلاد ضحية. فبعد قول مروان حماده قبل ايام "يرضى القتيل وليس يرضى القاتل"، تساءل الياس المر: "هل صار المقتول قاتلا؟". اضاف: "الصورة في بعض الاقلام تعني ان سعد الحريري قتل والده ليرثه، وابني فجرني لاني منعته من السهر ليلا، وبيار الجميل انتحر، وجبران تويني تدهورت سيارته".
ان العتب هنا ليس على المتورطين في الاغتيالات، بل على من باعوا ويبيعون أرواحهم للشيطان!