#adsense

مبادرات وخطوات سليمان … و “ميزان الجوهرجي ”

حجم الخط

كتب دافيد عيسى في "صدى البلد":

الرئيس ميشال سليمان رجل المبادرات والقرارات الوطنية. هذا ما أثبته فعلاً وممارسة. وكل مرة حدث طارىء أو ظهر خطر داهم ، أو هدد الاستقرارا والوحدة الوطنية، كان الرئيس سليمان السبّاق في استشعار الاخطار واخذ المبادرة و التحرك المدروس والهادف واتخاذ ما يلزم من مواقف يحالفه فيها حظه الجيد احياناً ويزنها على "ميزان الجوهرجي" احياناً اخرى.

لكن لم يتردد سليمان يوماً ولم يتأخر في التصدي لكل ما يمكن ان يشكل مصدر تهديد وخطر على الوضع وعلى المكتسبات والانجازات التي تحققت في السنوات الاولى من عهده ونقلت البلد من حال التمزق والانقسام إلى حال التلاقي والوحدة.

بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الاولى في عهده، فاجأ الرئيس سليمان الجميع بالدعوة إلى "حوار وطني" في قصر بعبدا لبحث الاستراتيجية الدفاعية.

أخذ المبادرة في تسمية أقطاب وشخصيات طاولة الحوار ، وهذا ليس بالأمر السهل في بلد حساس يقوم على توازنات واعتبارات وخصوصيات سياسية وطائفية ومذهبية ومناطقية … وضع الرئيس سليمان منهجية حوار ونقاش تعكس جدية في العمل ورغبة في التوصل إلى نتائج عملية … ولما كان موضوع سلاح حزب الله هو الموضوع الخلافي الابرز المتبقي بين الاطراف والقوى السياسية اللبنانية ولم يشمله اتفاق الدوحة، أتت مبادرة الرئيس سليمان الحوارية لتضع هذا الخلاف في اطاره السياسي ولطرح معالجة سلاح حزب الله من ضمن مسألة ابعد وأشمل تتعلق بالاستراتيجية الدفاعية القائمة على معادلة " الجيش والشعب والمقاومة "، فكان ان تم سحب فتيل هذه المسالة الخلافية وتعطيل مفاعيلها السلبية، كما تم ارساء اطار وطني حواري يحفظ الصراعات والخلافات في اطارها السياسي الديمقراطي ويحول دون انتقالها إلى الشارع من جديد.

وقبل اسابيع معدودة بادر الرئيس سليمان ودعى ابرز القادة العرب إلى بيروت ورتب قمة (لبنانية-سورية-سعودية) في قصر بعبدا لسحب فتيل الأزمة الجديدة والخلاف المستجد حول المحكمة الدولية والقرار الظني المنوي صدوره عنها متضمناً اتهاماً لبعض عناصر من حزب الله بالمشاركة في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وعندما كان كثيرون قلقين ومضطربين وخائفين على الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية، كان الرئيس سليمان يبعث بإشارات التطمين ويهدىء من روع الخائفين ويجمع في قصر بعبدا العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس السوري الدكتور بشار الاسد في أوضح وابلغ رسالة عربية للبنان انه غير متروك لمصيره وانه موجود تحت مظلة عربية واقية تحميه من العواصف الاقليمية وتعزله عن مؤثراتها. ولم يتأخر الوقت حتى بدأت نتائج القمة الثلاثية في قصر بعبدا ترخي بظلالها على مجمل الوضع وتدفع في اتجاه البحث عن تسويات ومخارج سياسية " لأزمة " القرار الظني الافتراضية، ولاحت بوادر انفراج وتبددت غيوم الانفجار وتأكد للجميع ان الأمن والاستقرار خط أحمر لا مساس به ، وان حكومة الوحدة الوطنية انجاز لا تفريط به .

كما دعا سليمان امير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لزيارة لبنان حيث عكست هذه الزيارة ارتياحاً على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والاعمارية خصوصاً ان قطر دولة مؤثرة في المنطقة وبامكانها مساعدة لبنان على تخطي الاخطار المحدقة به من خلال العلاقات الممتازة التي تربط هذا البلد العربي الصغير بمساحته والكبير بعلاقاته بمراكز ودول القرار.

وقبل ايام عندما حصل اعتداء اسرائيلي على الجيش اللبناني عند نقطة العديسة الحدودية وتصدى فيه هذا الجيش ببسالة للاختراق الاسرائيلي في اراض متحفظ عليها لبنانياً، بادر الرئيس ميشال سليمان ومنذ اللحظة الأولى لوقوع العدوان إلى متابعة الموقف عن كثب وبثبات وتماسك ومن دون تردد وارتباك.

فأعطى تعليمات واضحة للمؤسسة العسكرية بمواجهة اي اعتداء اسرائيلي مهما كانت التضحيات، ودعا إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الدفاع الاعلى برئاسته لدرس الوضع وسبل مواجهته ولاتخاذ خطوات لا تنتظر انعقاد مجلس الوزراء من اجل دعوة مجلس الأمن إلى جلسة طارئة … ولم يكتف الرئيس باجراء اتصالات دولية لاحتواء خطط اسرائيل التصعيدية … وانما بادر إلى تحرك ميداني بزيارة تفقدية لموقع العديسة دعماً للجيش اللبناني و من اجل الشد على اياديهم، ومن هناك أعلن مبادرته الوطنية الداعية إلى تسليح هذا الجيش البطل بأموال اللبنانيين الذين حثهم على التبرع للمؤسسة العسكرية وخص رجال الاعمال والمتمولين وخاطبهم بلغتهم بأن دعاهم إلى ان يستثمروا في الجيش والمؤسسة العسكرية ان ارادوا الاستثمار في لبنان في بيئة آمنة ومستقرة، لأن لا استثمار من دون أمن واستقرار ومن دون سيادة واستقلال، ولا شيء من كل ذلك من دون الجيش…

جاء التجاوب مع مبادرة الرئيس سليمان فورياً وسريعاً وفاق كل التوقعات إلى درجة بات لزاماً معها تنظيم عملية التبرع وفق آلية محددة وشفافة لاستيعاب الدفق المالي وصرف الأموال في الوجهة المحددة لها حصراً، أي تعزيز قدرات الجيش اللبناني مقدمة لتعزيز دوره في حفظ الأمن وفي الدفاع عن الحدود. وطبيعي ان يحصل هذا التجاوب التلقائي من قبل اللبنانيين، لأنهم أولاً وبكل بساطة يثقون بجيشهم ويحبونه ومتعلقون به ويعلقون عليه آمالاً وينظرون اليه على انه رمز كرامتهم وعزتهم وضمانتهم لأمنهم ومستقبلهم ولا يبخلون عليه ويمدون له يد المساعدة اذا طلبها، ولأنهم ثانياً يتطلعون بلهفة إلى اليوم الذي يصبح فيه الجيش قادراً على حماية الدولة والسيادة وعلى ان يكون مرجعية عسكرية وأمنية دون منازع ، ويستعجلون عملية تعزيز قدرات الجيش وتسليحه وإيجاد مصادر تمويل ذاتي لهذه العملية اذا اقتضى الأمر واذا كان اللجوء إلى مصادر دعم خارجي مشروطاً بتنازلات واثمان سياسية لا يمكن للبنان ان يتحملها ولا ان يساوم عليها لمجرد انها تمس الكرامة والمصالح والسيادة الوطنية …

ومن هنا يمكن التفاعل الايجابي والحماسي مع مبادرة الرئيس سليمان إلى تسليح الجيش باموال لبنانية، لأن هذه المبادرة أطلقت من المكان و الزمان المناسبين من منطقة التماس مع جيش العدو مع ما لهذا الأمر من رمزية وتأكيد على دور وطبيعة الجيش وعقيدته القتالية، ومباشرة بعد الاشتباك البطولي الذي خاضه الجيش في العديسة بإمكاناته الصغيرة وعزيمته الكبيرة.

والاهم ان هذه المبادرة جاءت زاخرة بروح وطنية عندما أكد الرئيس سليمان ان لبنان يرفض الشروط السياسية لتسليح جيشه والارتهان لأي دولة أو جهة مانحة، وبإمكانه البحث عن مصادر السلاح اينما تكن واختيار ما يناسبه ويحتاجه من اسلحة دفاعية ودفع ثمنها من " جيبه الخاص " ومن دون منّة من هذا ولا شروط من ذاك …

هذه المبادرة الموقعة رئاسياً بحبر العنفوان اللبناني ألهبت المشاعر والروح الوطنية وأحيت العصبية اللبنانية حول الجيش وعززت ثقة اللبنانيين به وبدوره المستقبلي، وايضاً ثقتهم بأنفسهم وبأنهم اذا اعتمدوا على انفسهم ووحدوا صفوفهم وطاقاتهم وقووا ارادتهم ورفعوا رأسهم عالياً لا يحتاجون إلى أحد ولا يخيفهم شيء …

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل