نستمع الى تصاريح مسؤولي "حزب الله" وخطبهم ومواقفهم بتمعن واهتمام، فاذا بنا نصدم بجملة من الافكار التي تصل الى حد تصبح تكملة الفكرة مبهمة وغائبة في مخيلات القارىء والمستمع والمتابع – لذلك قررنا في هذا المقال التوقف بالسرد المتتالي على ما يقولونه ليكون لكل قول رده او تصحيحه او تكملته.
1- يدعون الى خطوات عملية في مجال التحقق من فرضية وقوف الاسرائيليين وراء اغتيال الرئيس الحريري، ونسألهم ما هي الخطوات العملية التي يردونها للتحقق من هذه الفرضية؟ هل رئيس الجمهورية مثلا هو المرجع الصالح للتحقق؟ ام مجلس الوزراء؟ ام مجلس النواب؟ ام القضاء اللبناني الذي لم تعد له اي ولاية على التحقيق الدولي؟ فمن يريد ان يتحقق من فرضية ضلوع اسرائيل انا او ابن الضاحية الجنوبية او الشمال او ربما المغترب في البرازيل؟
ان من يتحقق هو المحكمة الدولية بدءا من القاضي بلمار كمدعي عام وصولا الى القضاء الجالس مرورا بقاضي الاجراءات التمهيدية – وبالتالي لا مفر لـ"حزب الله" من التعاطي مع هذا المرجع ان اراد فعلا تثمير فرضية ضلوع اسرائيل في الاغتيال، وان ارادوا فعلا اظهار شكوكهم واتهاماتهم وايداعها المرجع الصالح.
2- يقولون ان بعضهم في لبنان كان مخطئ حينما استهزأ بالقرائن المقدمة من "حزب الله"، ونحن ونتكلم عن انفسنا ولا علاقة لنا بالاخرين كنا من اكثر الناس انتظارا وتشوقا لما سيقوله السيد حسن في مؤتمره الصحافي الاخير، لاننا كنا ولا نزال وسنبقى طلاب معرفة الحقيقة وكنا ولا نزال نتمنى ان يكون من قتل الرئيس الشهيد ورفاقه وكل شهدائنا في "14 اذار" – ليس لبنانيا او عربيا حتى – وكنا ولا نزال نعتبر اسرائيل دولة ارهابية وراعية لارهاب الدولة – ولكن ما الحيلة وما العمل عندما صدمنا بأن ما كان السيد حسن يعتبره ادلة واثباتات على ضلوع اسرائيل في الجريمة الكبرى تجلت على ارض الواقع وفي ساعة الحقيقة وباقرار واعتراف السيد حسن نفسه قرائن قابلة للنقاش والتأويل والتحليل – بما لا يمكن معه لا في منطق القانون ولا في علم الاجتماع السياسي ولا في علم المنطق نفسه مساواته بدليل قاطع ولا باثبات لا يرقى اليه الشك. فكان من حقنا كما من حق الكثيرين ممن انتظروا ادلة واثباتات من "حزب الله" على اتهام اسرائيل ان نعبر عن خيبة املنا من مستوى ما تقدم به السيد حسن مقارنة مع ما وعدنا به ووعد به الرأي العام اللبناني والعربي والعالمي عن ذاك الاثنين.
3- يقولون ان التقليل من شأن المعطيات والقرائن التي قدمت في مجال اتهام اسرائيل او التوهين بها هو مرافعة مجانية عن المتهم الاسرائيلي، ونجيبهم بأن من يقلل من شأن المعطيات والقرائن التي قدمت من "حزب الله" هو "حزب الله" نفسه بمجرد انه يرفض الى الان تزويد المدعي العام بلمار بهذه المعطيات والمعلومات ليدرسها ويقرر بشأنها، رغم ان الاخير طلب منه ذلك رسميا عبر القنوات الرسمية اللبنانية. ومن يقلل من شأن هذه المعلومات والمعطيات هو "حزب الله" نفسه لانه اما انه لا يثق بأنها يمكن ان تحدث خرقا نوعيا في التحقيق الدولي الجاري واما لانه يدرك بأن هذه القرائن والمعطيات ليست سوى اتهام سياسي وبالسياسة يمكن اتهام من نريد ونشاء – كما بالسياسة يمكن ان نقول ما نريد ونشاء لكن من دون ان نعتبر ما نقوله على انه هو الحقيقة والدليل تجربة الاتهام السياسي للنظام السوري والذي لا يزال اتهاما سياسيا لدى فريق "14 اذار" بغض النظر عن توجه القضاء الدولي ومعه التحقيق – وبغض النظر عن مأسسة العلاقات بين البلدين ومسيرة ترميم الثقة الجارية على قدم وساق بين البلدين حاليا.
فاسرائيل عدوة لنا كلنا كلبنانيين وكعرب ولا نقاش في ذلك مطلقا، ولكن نسأل هل هذا يكفي في القضاء والقانون لاتهام اسرائيل امام المحكمة الدولية ما لم يسفر التحقيق الدولي نفسه عن هذه الحقيقة وهذا الاتهام؟
فيجب ان لا ننسى ان المحكمة الدولية ليست محكمة لبنانية او عربية الخلفية والعقيدة بالنسبة للنظرة الى اسرائيل، وبالتالي فان اتهام اسرائيل ومحاكمتها يتطلب منا تقديم كل ما من شأنه ان يحمل المحكمة الدولية مقتنعة وقانعة وظنينة على اتهام اسرائيل فعلا بالاغتيال من دون اي امكان لتهرب القضاء الدولي منه او النظر الى متهم اخر … وهذا بالضبط ما يجب ان يفهمه "حزب الله" … فثمة فرق بين تمنياتنا كعرب ولبنانيين من ان تكون اسرائيل متورطة وبين ان نثبت للرأي العام الدولي ولا سيما القضاء الدولي هذا الضلوع.
4- يقولون ان المباشرة في ملاحقة شهود الزور ومحاكمتهم هو امر اساسي ولا يجوز فيه للقضاء اللبناني ان يتقاعس … ويدعون الى ملاحقة من اواهم ومولهم ووضع لهم رواياتهم: فنسألهم كيف يمكن لقضاء غير مختص ان يتدخل في موضوع شهود الزور او سواهم؟ وهل يعلمون في "حزب الله" ان لبنان دولة وقعت على اتفاقات دولية سحبت ملف المحكمة من يد القضاء اللبناني بموجبها واعطت الولاية القضائية في كل ما يعود لملف الاغتيالات السياسية للمحكمة الدولية ؟ تماما هذا القضاء الذي لطالما اتهمه حزب الله وحلفاؤه ولا يزالون الى الان بعدم الموضوعية والتسييس؟ ثم ان ملاحقة شهود الزور تتعلق بالدولة السورية بالدرجة الاولى البلد الحليف لـ"حزب الله" لان غالبيتهم من عناصر المخابرات السورية او بحماية المخابرات السورية واخرهم هسام هسام وهم مقيمون في سوريا – فلماذا لا يسأل "حزب الله" الدولة السورية بمحاكمتهم على اراضيها طالما ان سوريا غير مرتبطة باي اتفاقات قضائية مع المحكمة الدولية؟
5- يقولون ان ما فعله الحزب هو معالجة تقصير المحكمة وقد اصبحوا في مرحلة قرائن جديدة تتهم اسرائيل، فليرنا المعنيون كيفية الاستفادة والوصل الى نتيجة بهذه القرائن: فلا ندري من اين يملكون في الحزب معلوماتهم بشأن تقصير للمحكمة الدولية وها هو بلمار شخصيا يطالبهم بتسليمه المعلومات والقرائن وهم يرفضون … فهم اليوم باتوا المقصرين في عدم استجابتهم لطلبات المحكمة الدولية وعدم تعاونهم معها ومع تحقيقها الدولي؟ فالحزب اتهم وقدم قرائنه واحالها الى محكمته الخاصة واصدر قراره باتهام اسرائيل ويطالبنا اليوم باعتماد قرار المحكمة الحزبية التابعة له … فهذا منطق ليس واقعيا ولا جديا ولا بناء ولا قانونيا ولا علميا – في مجال تعاون الجميع لكشف الحقيقة … فالقرائن وان كانت تصوب الى اسرائيل الا ان من يقرر كونها اتهامية ام لا هي المحكمة الدولية … والتقصير الذين يتكلمون عنه لم يوجد اساسا لدى المحكمة الدولية لانها لا تزال تعمل على قرار الاتهام ولا شيء بعد يدلنا على وجود او عدم وجود تقصير – اذ كيف نحكم على المحكمة قبل ان تلفظ احكامها وكيف نحكم على التحقيق القضائي الحالي وبلمار لم يصدر بعد قراره الاتهامي؟ وكيف يمكن لمعنيين ان يستفيدوا من معلومات وقرائن لا تسلم اليهم؟ فالضجة والتشنجات والتوترات التي اشاعها "حزب الله" منذ شهر الى اليوم على الساحة اللبنانية بموضوع حملته على المحكمة الدولية ادت الى الان في جزء كبير منها الى النتائج نفسها التي يخشاها "حزب الله" ان اتهم هو او بعض عناصره بالجريمة – ونعني تحديدا اثارة التوتر المذهبي والسياسي في البلد على خلفية تكهنات واستباق غير منطقي ومنقطع النظير لاحكام ومحاكمات قضائية في التاريخ الحديث.
6- يقولون الكل مقتنع ان اسرائيل متهمة ولا بد من سلوك الطريق القانوني وعلى هؤلاء ان ينتظروا حتى يروا النتائج معا … و"حزب الله" ليس مسؤولا عن البحث عن المتهم او تقديم المعطيات للمحكمة وهي المعنية بالبحث عن الادلة، هذا الكلام ينطوي على تناقض مفضوح بين قائل ان المحكمة مسيسة لانها لا تتهم اسرائيل وبين الامتناع عن تزويدها بمعلومات تدين اسرائيل. فـ"حزب الله" يكشف بهذا النوع من الكلام عن ازمة ارتباك في نهجه واسلوب التعاطي لديه، بحيث يريد من جهة ان تتهم اسرائيل الامر الممكن اذا ما توفرت الادلة والاثباتات، ومن جهة اخرى لا يريد ان يتعاون مع المحكمة الدولية ويطالبها في الوقت عينه بوضع فرضية اتهام اسرائيل في تحقيقاتها. فكل من لديه معلومات ملزم بتقديمها الى المحكمة المختصة، فكيف اذا كانت المعلومات بحجم ما يدعيه "حزب الله" ويقدمه للراي العام اعلاميا وسياسيا؟
والطريق القانونية التي يتكلمون عنها هي طريق المحكمة الدولية المرجع الوحيد الذي يحقق ويفصل بجرائم الاغتيال، فالطريق القانوني ملزم لـ"حزب الله" كما لاي فريق لبناني لديه اي معلومة ولو قرينة او مؤشر.
فانطلاقا من مجمل هذا الكلام وعما يقولونه تبقى النتيجة نفسها وبوضوح: ان كان ثمة شيء قد تغير بين ما قبل الاثنين 9/8/2010 وما بعده فهو ان "حزب الله" بعد هذا التاريخ بات ملزما بالتعاون مع المحكمة الدولية وتحقيقها الجاري والا سيتحمل مسؤولية اخفاء معلومات ومعطيات عن التحقيق الدولي اعلنها للرأي العام وباتت ثابتة للجميع الى حد التستر على احتمال ضلوع اسرائيل في الاغتيال – وبالتالي فان استمرار الحزب في تجاهل هذا التعاون سيجعله مسؤولا عن عرقلة العدالة الدولية وتفشيل التحقيق الدولي. فلا التلفزيونات ولا وسائل الاعلام ولا الرأي العام ولا الحكومة هم المراجع القضائية المختصة الواجب التوجه اليها بل فقط وحصريا المحكمة الدولية الخاصة بلبنان …
فكفى تنظيرا وتهربا من مواجهة الواقع والتعاطي معه …