«إذا أردت السلام فاطلب العدالة»
(هـ.ل. مينكن)
ما يحصل هذه الأيام في موضوع المحكمة الدولية المؤلفة بقرار من مجلس الأمن الدولي للتحقيق باغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري ورفاقه… أمور تحتاج لكلمات هادئة. ولا سيما بعد الكلام الكثير الذي ركز على الحذر، ثم التحذير، من «تسييس» المحكمة. مع أن الجريمة جريمة سياسية أولا وأخيرا، وعليه، لا بد من أن تكون ثمة جهة سياسية وقفت وراءها.
ما نعرفه عن سير القضية التي تنظرها المحكمة، وهو قليل جدا كما يجب أن يكون، يشجع على الاعتقاد بأنها ستكون محكمة أجدر بالثقة من معظم محاكم العالمين العربي والإسلامي، وهذا للأسباب التالية:
أولا، لأن المحكمة تضم قضاة من عدد من الدول، ويبلغ عدد القضاة والمستشارين والفنيين والإداريين المتصلين بها المئات. وبناء عليه، إذا كانت هناك دولة أو اثنتان أو ثلاث أو أكثر ضالعة في مؤامرة كيدية ضد هذا الطرف أو ذاك، فسيكون من المتعذر شراء ضمائر مئات، من مختلف الدول والمشارب، في عصر التسريبات الإعلامية، ووجود معارضات داخلية في الدول التي رعت قيام المحكمة وعملت من أجله.
ثانيا، لأن ثمة تقاليد قضائية في معظم الدول التي اختير منها جهاز المحكمة. والقضاء في الدول المتقدمة مستقل عن السلطة السياسية، لا يخضع لها ولا يتأثر بها. ولقد شاهدنا في عز هيمنة الولايات المتحدة على العالم، كيف استطاعت موظفة بسيطة في حكومة ولاية أركنسو الأميركية اسمها بولا جونز من مقاضاة رئيس الجمهورية – يومذاك – بيل كلينتون، بتهمة التحرش الجنسي، في حين أن حدثا من هذا النوع في غالبية دول العالم الثالث نادر الحدوث… كي لا نستخدم تعبيرا آخر.
ثالثا، إن المحكمة في الشق العلني من نشاطها، أقله حتى الآن، أثبتت إيجابية واستعدادا لتقبل الطعون والشكاوى، ثم بعد المؤتمر الصحافي الأخير للسيد حسن نصر الله «القرائن», التي وعد بها لكي توسع آفاق التحقيق.
رابعا، انطلاقا من الكلام عن «قرائن» السيد نصر الله، لم يكن – حسب علمي – هناك أي موقف من المحكمة يستبعد بالمطلق ضلوع أي جهة بجريمة اغتيال الحريري ورفاقه. وكل الكلام عن «لفت نظر» المحكمة إلى «الدور الإسرائيلي» كلام سياسي صحيح في مضمونه، لكنه خاطئ إذا كان يستبطن أن إسرائيل أو غيرها كانت من الجهات البعيدة عن دائرة الشك.
خامسا، إن تصعيد حزب الله والجماعات المؤيدة له ضد المحكمة، لم يأت في الفترة الأخيرة بعد انفضاح أكثر من 150 عميلا لإسرائيل في لبنان، بل كان واضحا وصارما منذ اللحظة الأولى التي اتجهت فيها السلطات اللبنانية نحو رفع الجريمة وتوابعها إلى القضاء الدولي. وهذا ما ظهر من اعتكاف الوزراء الشيعة (بين أواخر 2005 ومطلع 2006)، ثم استقالة الوزراء الشيعة في أواخر 2006 و«الاعتصام» في قلب بيروت (أواخر 2006 إلى 2008). ثم، على الرغم من كل الكلام الجميل عن مضمون المؤتمر الصحافي للسيد نصر الله، وضرورة تحاشي استبعاد التورط الإسرائيلي في الجريمة، فالسواد الأعظم من الذين هللوا له… إنما انطلقوا في مواقفهم من خلفية سياسية لا قانونية. فحتى السيد نصر الله نفسه، نفى أن يكون ما جاء به «أدلة» بل «قرائن» تفتح آفاقا جديدة في التحقيق.
إن الأمر المؤسف جدا، الذي بتنا نسمعه يوميا تقريبا ونتقبله كواقع طبيعي لا حاجة إلى تحليل أبعاده الخطيرة، هو أن اتهام إسرائيل بالجريمة يشكل ضمانة للاستقرار في لبنان.
واستطرادا، فإن كل من يصر على المحكمة الدولية – التي سبق للسيد نصر الله أن وصفها بـ«مشروع إسرائيلي» – يستحق أن يدرج ضمن قائمة عملاء إسرائيل.
هذا الكلام خطير.
خطير لأنه، من ناحية، يلغي منطق العدالة والثواب والعقاب. ومن ناحية ثانية، يؤسس لحالة من الابتزاز الأمني القائم على حالة «غالب ومغلوب» لا يمكن إلا أن تفضي إلى الفتنة. وبالتالي، على العقلاء في حزب الله إدراك هذا الواقع، الذي يستحق منهم إعادة نظر في مضمون خطابهم ومواقفهم… بدلا من الهرولة لتعزيز «التنسيق» مع الجنرال ميشال عون. وهذا، قبل أن يجف حبر مذكرة الاتهام الموجهة إلى أحد أركان «تياره» بالتعامل مع إسرائيل.