لا أحد يستطيع تجاهل المعطيات والقرائن التي عرضها أمين عام حزب الله في مؤتمره الصحفي، مهما تباينت الآراء حول أهميتها القضائية، لأن توجيه الاتهام للعدو الإسرائيلي يجب أن يبقى احتمالاً وارداً في كل الظروف·
ومسارعة المدعي العام الدولي دانييل بيلمار إلى طلب نسخة رسمية وموثقة من الأشرطة والتسجيلات التي عرضها السيد حسن نصر الله، تؤكد مدى الاهتمام الفوري الذي أبدته لجنة التحقيق الدولية بما ورد في المؤتمر الصحفي من معطيات وشهادات، لدرجة يمكن القول معها ان <رسالة نصر الله> إلى المحكمة الدولية وصلت أسرع مما كان البعض يتوقع!
* * *
واذا كان الهدف الأساسي لحملة الحزب هو فتح آفاق جديدة للتحقيق، كما قال السيد نصر الله في مؤتمره الصحفي، فإن توجيه أصابع الاتهام إلى الجانب الاسرائيلي، ومبادرة المدعي العام الدولي إلى التعامل مع هذا الاتهام بالجدية اللازمة، وبالحرفية المطلوبة، فإن ذلك يعني بأن الحزب يحاول تصحيح مسار التحقيق الدولي، أو على الأقل توسيع رقعته الجغرافية لتشمل الأجهزة المعنية في الكيان الصهيوني، وهي محاولة مشروعة وتؤيدها الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، ومعهم كل الأطراف العربية المعنية بالوضع اللبناني، لأن تجاوب المحكمة مع طروحات حزب الله من شأنه أن يؤكد مصداقيتها ومهنيتها، إلى تأكيد موضوعية القائمين عليها، بعيداً عن التسييس، وبمنأى عن أية ضغوطات سياسية أو معنوية·
أما إذا كان المقصود من الحملة السياسو – إعلامية التي يخوضها حزب الله بضراوة هو إلغاء المحكمة الدولية، وطي ملف التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وكوكبة السياسيين والمثقفين والمفكرين بعده، فان المسألة فيها نظر، لأنها تستفز مشاعر اكثرية اللبنانيين الذين تحمّلوا تداعيات مسيرة الدم والدموع سعياً وراء الحقيقة، ووصولاً إلى إحباط عمليات الاغتيال السياسي كأسلوب ووسيلة للنيل من الخصم السياسي بإسكاته إلى الأبد، في بلد ما زال يُفاخر بأن نظامه يعتبر واحة للديمقراطية في منظومة الأنظمة الشمولية السائدة في المنطقة!·
* * *
وإذا كان طلب توسيع التحقيق باتجاه الطرف الإسرائيلي، أو أي طرف أجنبي آخر، قد تُظهر الوقائع إمكانية ضلوعه في جريمة الاغتيال، التي زلزلت استقرار الوطن الصغير، وأثار عاصفة من الإدانة والاستنكار في المحيط العربي، إذا كان مثل هذا الطلب يبقى مبرراً ومشروعاً، بما في ذلك المطالبة بمحاكمة شهود الزور من قبل المحكمة الدولية، فان الجنوح نحو رفع شعار تعطيل عمل المحكمة، والعمل على إسقاطها سواء بوقف التمويل اللبناني لها، أو عبر الضغوط السياسية والأمنية الداخلية، مثل انسحاب وزراء الحزب وحلفائه من الحكومة، أو تعريض الوضع الأمني للاهتزاز، يعتبر خروجاً من سياسة الوفاق الوطني، ونكولاً بالتزامات اتفاق الدوحة، بل وانقلاباً سياسياً على مقررات طاولة الحوار، وإسقاطاً لمضمون البيان الوزاري·
وللتذكير فقط، فإن طاولة الحوار في جلساتها الأولى التي عُقدت قبل حرب تموز 2006، اتخذت قراراً بالإجماع، بحضور السيد حسن نصر الله شخصياً، وبرئاسة الرئيس نبيه بري، يقضي بالموافقة على قيام محكمة دولية لكشف الحقيقة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، كما ان البيان الوزاري للحكومة الحالية، والتي نالت على أساسه ثقة شبه إجماعية في مجلس النواب، اكد على إلتزام لبنان بالتعاون مع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان·
فلماذا إذن، يُطلق حلفاء حزب الله، العنان للحملات التحريضية والتصريحات النارية، التي تطالب بإسقاط المحكمة، وإتهام كل من يؤيد استمرارها لكشف الحقيقة بالخيانة، وتعمد تهديد العباد والبلاد بالويل والثبور وعظائم الأمور؟
* * *
لكن اللافت في الحملة السياسيو الاعلامية المتصاعدة ضد المحكمة، انها تتجاوز الاتهامات المعروفة بالتسييس والتحيز والخضوع لعوامل أميركية وإسرائيلية – كذا – الى استهداف رئيس الحكومة سعد الحريري وكتلته النيابية، من خلال الترويج لمواقف سياسية باسم <مصادر مغلقة> من كتلة نواب <المستقبل> تتناغم مع بعض طروحات التشكيك بالمحكمة، حتى إذا صدر نفي أو توضيح من جانب أحد نواب <المستقبل>، لتصحيح الصورة امام الرأي العام، والتأكيد على وحدة الموقف بين نواب أكبر كتلة برلمانية، راحت طبول التفرقة والتشرذم تُقرع من جديد، في إطار الترويج لسيناريو يحاول إظهار الرئيس الحريري غير قادر عل? ضبط مواقف نوابه الذين اكتشفوا فجأة ان بعضهم تحول إلى <حمائم> والبعض الآخر أصبح <صقوراً>، حسب تصنيف الحملات المبرمجة ضد رئيس الحكومة وكتلته النيابية!
ويبدو ان رئيس الحكومة عاد إلى بيروت متسلحاً بما سمعه من الرياض ودمشق وباريس، وعازماً على تفويت الفرصة على المصطادين في المياه العكرة، الذين حاولوا استدراجه وكتلته إلى جولة جديدة من السجالات البيزنطية حول جنس <ملائكة المحكمة>، وممارسة المزيد من الضغوط عليه لإعلان موقفه من ملف المعطيات والقرائن·
فكان ان قرر الحريري الإلتزام بدوره كرئيس لحكومة كل لبنان، والتصرف بمستوى رجل الدولة الحريص على الأمن والاستقرار في البلد، وذلك بالصيام عن السجالات المتأججة، وتغليب لغة العقل والحكمة على كل ما عداها في لعبة <الفعل وردة الفعل>، وترك الباب مفتوحاً أمام الحوار الهادئ والهادف إلى تجنيب البلد المزيد من الإنقسامات والصراعات، والانزلاق نحو الفوضى والاضطرابات من جديد، معتبراً ان <الكلمة الطيبة> تبقى هي الأساس في التعاطي بين اللبنانيين، في هذا الشهر الفضيل·
ومرة أخرى ·· يرفض اللبنانيون أن يضعوا أمنهم واستقرارهم على محك العدالة والحقيقة، وذلك لإيمانهم اليقيني بأن العدالة والإستقرار صنوان لا يفترقان وأن الحقيقة والأمن عنصران متكاملان لا متناقضان!
أم ترى أن ثمة معادلات أخرى في طريقها إلينا تجعل من العدالة والإستقرار ··· صنوان يفترقان