بالأمس ردّد نائب حزب الله نواف الموسوي هذه اللازمة بقوله: "حزب الله لا يثق بالتحقيقات الدولية أو المحكمة الدولية، معتبراً أن تشويه صورة الحزب وضرب صورة المقاومة من خلال المحكمة الدولية هو مشروع فيلتمان، محذراً من أن ما يتربص بلبنان جرّاء الاتهامات هو أمر خطير.
ما يسوّقه نواب حزب الله والناطقين بلسانه ليلاً ونهاراً ليس أكثر من تقنية تعميم التشكيك وغسل العقول بالشك، فيطلون يومياً معلنين أنهم "لا يثقون بالتحقيق الدولي ولا بالمحكمة الدولية" وهذا ليس "كوبليه" أغنية جديدة يسمع اللبنانيون موالها من الحزب منذ صدور التقرير الشهير في مجلة دير شبيغل فقط، أو منذ أطلق بعض "حلفائهم" الجدد مساعي الالتقاء بالصدفة في محاولات هي إما فردية وإما مطلوب منهم بذلها من ضمن ثمن الملف الذي يتوجب عليهم ضمه إلى أوراق الاعتماد، بل ما نسمعه قديم وعمره من عمر زلزال 14 شباط العام 2005.
وللتذكير فقط فإن دير شبيغل نفسها كانت قد قدمت تقريراً آخر في العام 2009 وقبل أسبوع واحد فقط من التقرير الذي يتكأ عليه حزب الله لتكرار "لازمة" عدم الثقة، ولأن ذاكرة اللبنانيين قصيرة جداً من شدة ازدحامها بالأحداث نقول:منذ اللحظة الأولى لمطالبة اللبنانيين بلجنة تحقيق دولية كان أول الرافضين لقيامها حزب الله، وقام في نيسان العام 2005 باقتراح لجنة تحقيق عربية، ولأن هذا الموّال عمره من عمر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومن عمر التهديدات التي تلقاها اللبنانيون في خطاب 8 آذار الشهير، ولأن موضوع سلاح حزب الله عمره من صدور القرار 1559 منذ العام 2004، ولأن الحوارات بين أمين عام حزب الله – التي كشف عنها السيد حسن نصر الله بنفسه مع الرئيس الشهيد كان تدور حول "سلاح حزب الله"، وهذا أمر لم يتنبه له معظم اللبنانيين يومها، قد يكون الوقت الآن مناسباً لإجراء مراجعة دقيقة لتلاحق الأحداث وموقف حزب الله من موضوع سلاحه، وموقفه الرافض للجنة تحقيق دولية أولاً، وللمحكمة الدولية لاحقاً، وبعدها سيناريو محاولة إسقاطه حكومة الرئيس فؤاد السنيورة لمنع إقرار المحكمة، وكل ما سبق يجري محاولة استعادة سيناريوهاته اليوم وتحت عناوين من نوع "إسرائيلية المحكمة، تآمرها على حزب الله ومحاولات تشوية صورته"، وكأننا أمام حزب يفترض في نفسه صورة من اثنتين، إما أنه حزب لا يضم بين صفوفه إلا "الملائكة" المخلوقات النورانية الإلهية المتعالية عن جنس البشر، وإما أن الحزب يفترض ويريد من اللبنانيين أن يصدقوا أنه "الله" تجلى في صورة حزب!!
أما التقرير الذي سبق ونشرته دير شبيغل كان تحقيقاً لنفس الكاتب الألماني إيريك فولاث، والذي امتلأت الصحف عام 2009 بمقالات التدليل على "عمالته" فكان قد نشر تقريراً قبل أيام قليلة من تقريره الثاني الشهير، كشف فيه أن الموساد الإسرائيلي كان وراء اغتيال رئيس اللجنة النووية السورية اللواء محمد سليمان في عام 2008، وكانت تلك ثاني واقعة اغتيال معلنة منذ اغتيال الحاج عماد مغنية القائد العسكري لحزب "الله"، الذراع الطولى لإيران وحرسها الثوري في لبنان والمنطقة…
وفي تقرير فولاث المنشور عن اغتيال سليمان "أن قناصاً أطلق من على سطح يخت في مياه البحر المتوسط رصاصة من بندقية كاتمة للصوت على رئيس اللجنة النووية السورية بينما كان على احد شواطئ طرطوس، وربط التقرير وقوع حادثة القتل في العام التالي لتدمير الطيران الحربي الإسرائيلي لمنشأة "الكبر" النووية السورية…
يومها صمتت كل الأصوات بما فيها أصوات "الموساد الإسرائيلي" وأصوات المسؤولين في دولة العدو، ولم يصدر تعليق واحد يلقي شبهة "موسادية" أو "مُعادية للسامية" في وجه إيريك فولاث، ومازال الصمت سيّد الموقف…
ثمة عملية "بلف كبيرة" يتم عبرها الالتفاف على ذاكرة اللبنانيين المحتاجة إلى إنعاشها بالتصاريح وتواريخها والمواقف وأصحابها، على الرغم من أن هذا لن يغيّر شيئاً من خطة حزب الله الموضوعة والتي يجد صعوبة كبيرة في تنفيذها في محاولة أخيرة لكربجة عجلات المحكمة الآتي قطارها بسرعة الأشهر المتبقية من هذا العام، والوقت الأسرع في النفاد، وليس من عاقل يفكر في مسابقة الزمن، ولا في مسابقة "عدالة الله" الآتية، بعد محاولات عرقلة وتعطيل استمرت خمس سنوات.