لا تبدو القرائن والادلة التي اعلن عنها الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله سائرة بالاتجاه الواجب ان تتبعه طالما انها مشروطة اولاً بان تكون بمستوى تبرئة الحزب مسبقاً من اتهام اي عنصر فيه بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبغيرها من الجرائم السياسية بعد 14 شباط 2005 وطالما ان الحزب يرى من جانبه من دلائل وقرائن بمثابة قرار ظني يلق تبعة اغتيال الحريري وسواه على عاتق العدو الاسرائيلي ثانياً، من غير حاجة الى تحقيق او ما شابه ذلك من لزوميات المقاضاة عبر المحكمة الدولية او من خلال اية محكمة اخرى؟!
لقد صدر عن القاضي الدولي، دانيال بلمار ما يفهم منه ان المعلومات التي اوردها الامين العام لحزب الله يجب ان ترسل الى مرجعها الصالح، اي الى المحكمة، فيما لم يتجاوب الحزب مع ذلك بحسب ما صدر ويصدر عنه الى الان من خلال بيانات وتصريحات مسؤولي الحزب ووزرائه ونوابه، الامر الذي لا يشجع على توافر تواصل منطقي من جانب الحزب مع المحكمة الدولية، ولا يشجع بالتالي على تفاهم يمكن ان يوصل الى ما ترغب فيه المحكمة والحزب من كشف الجناة (…)
وفي اعتقاد مصادر مطلعة انه في حال بقي حزب الله على رفضه وضع معلوماته في عهدة المحكمة، فان المعنيين فيها لن ينتظروا طويلاً لمتابعة المهام الملقاة على عاتقهم، لان سمعة هؤلاء مرهونة بان يقدموا نتائج وخلاصات لا تحمل تأويلاً بقدر ما تتضمن وقائع ملموسة تصلح الى ان تعزز النظرة الى القرار الظني – الاتهامي ولا تسمح باعطاء شكل من اشكال الرؤية الى الجناية كي لا يبقى باب البراءة مفتوحاً امام من يمكن ان يطاولهم "الاتهام المبكل"، بحسب الرؤية القانونية والحقوقية الى ملف الجريمة (…) بل مسلسل الجرائم؟!
وفي نظر معظم المراقبين فان حزب الله لن يبعد عن نفسه التهمة في حال اصر على اعتبار معلوماته خاضعة لمزاجية الانتقاء والمرجعية طالما انه ليس القاضي وليس بوسعه اعطاء الصورة التي يريدها عن الجاني والمرتكب وعن المخطط وعمن اعطى الضوء الاخضر للتنفيذ؟
كذلك، فان اتكال الحزب على مزاجيته السياسية يشبه الى حد بعيد المساهمة في تعقيد امور المحكمة فضلاً عن عدم توجيه الاتهام الى حيث يقصد، اي اسرائيل، حيث يستحيل على القاضي والمحققين مقاربة الوقائع من عدة اوجه قال عنها الحزب بالصوت والصورة من دون ان يحدد وقائعها باستثناء ما شرحه الامين العام كوجهة نظر وليس كخلاصة تحقيق في الادلة (…)
وفي رأي المراقبين، ان حزب الله يخطئ اكثر مما قد يصيب في حال تلكأ عن تقديم مضبطة اتهاماته بالطريقة التي اعلنها امينه العام، خصوصاً ان من يهمه امر ابعاد التهمة عن اسرائيل سيتمسك باي خيط يمكن ان يوفر للعدو حماية قانونية – حقوقية لم تتوافر الى الان للحزب (…) او لبعض عناصره!
والذين يتحدثون عن اتكال حزب الله على دور عربي قد يؤدي بطريقة او بأخرى الى صرف المحكمة الجنائية الدولية النظر عن اصدار قرارها الظني، فان جهات مطلعة تستبعد ذلك، اقله من جانب من يهمه اتهام الحزب وليس من جانب من يهمه توجيه الاتهام الى اسرائيل. وامام هكذا حال واردة على مدار عمل المحكمة من الواجب الابتعاد عنها قدر الامكان، ولا مجال امام الحزب لحيازة امكان الابتعاد سوى تقديم ادلته وبراهينه بما يكفل توجيه الاتهام الى العدو من جهة والى افهام المجتمع الدولي ان النظرة الخاطئة الى الحزب لا تعني بالضرورة انه وراء اغتيال الرئيس رفيق الحريري ووزراء ونواب وشخصيات لبنانية لا يجمعها جامع مع حزب الله وسياسته ومشروعه؟!
امام هذه الدوامة، يبدو الحزب وكأنه يسلم معلوماته ووثائقه، على رغم معرفته بان البراءة التي يتطلع اليها تحتاج الى تناغم قانوني وسياسي في آن يجنبه الاستمرار في نمط تحديه للمحكمة الدولية ولبعض الجهات الداخلية، بما في ذلك نمط التخويف من فتنة وهو يعرف سلفاً انها ليست لمصلحته حتى وان كان الجميع على قناعة بان تحريكها لن يكتب له النجاح عبر الوسائل السياسية والاعلامية وحدها؟!
وفي المقابل، ثمة من يتوقع تصعيداً امنياً قد يبدأ بحركة شارع هنا او هناك لا تنتهي باحتجاج شكلي، طالما ان الانتماء الى حكومة الوحدة الوطنية لا يزال معمولاً به. اي ان خطوة الانسحاب من الحكومة ستكون واردة في حال تعذر هز الاستقرار قبل تأمين هز السلم الاهلي؟!