ان التطورات الاخيرة التي اطلق شرارتها امين عام "حزب الله" السيد حسن نصرالله ان دلتنا على امر فهو على خطأ الرهان الذي سلكه الحزب ومعه الحلفاء الدائرون في فلكه باطلاق الحملة الشعواء على المحكمة الدولية وصولا الى تخوينها ووصفها بالاسرائيلية استنادا الى منطق ومفهوم التكليف الشرعي من ولي يقول للامر كن فيكون … وتتبعه الجماعة على انه صواب وواقع وحقيقة …
هذه المرة تثبت الايام والساعات التي توالت ولا تزال على اطلالة السيد حسن الاخيرة "التحقيقية "ضد اسرائيل – ان خيار الحزب بالتصويب على المحكمة الدولية لم يكن موفقا لا في الشكل ولا في المضمون لاسباب عدة:
اولا: لان ما اعلنه السيد حسن في اطلالته ما قبل الاخيرة من اتهام مباشر لاسرائيل عزز لدينا جميعا الامل بأن يكون لديه فعلا الاثبات والدليل المؤدي اخيرا الى معرفة المجرم واحالته للمحاكمة – خصوصا ان تاريخ اسرائيل الدموي ليس بحاجة الى اقناع او حملة علاقات عامة لتفسيره – فهو شاخص امام العيون منذ ولادة هذا الكيان الغريب في الجسم العربي.
ولكن في اطلالته الاخيرة خفتت التوقعات والامال معها ان لم نقل انها خابت – عندما ايقنا ان ما كان يعتبره السيد دلائل واثباتات على تورط اسرائيل لا بل ضلوعها في اغتيال الرئيس الشهيد الحريري – لم تتعد كونها وبلسان السيد نفسه "قرائن" لا بل نحن نقول تحاليل لا بل مؤشرات غير كافية لا ترقى الى مستوى الترابط المفترض بين الظرف والاغتيال – وقد كان لنا غداة الاطلالة الاخيرة لامين عام الحزب موقف من هذه القرائن التي ابرز ما يمزها نفسها التحليلي الذي لا يرقى الى مستوى الربط بين ما يمكن ان يكون تحضيرا للاغتيال والاغتيال نفسه (لاكثر من سبب واعتبار ميداني وسياسي واستخباري).
وبالتالي ان الادلة سقطت في المؤتمر الصحافي الاخير من مرتبة الاثبات القاطع او الدامغ الى مرتبة القرائن والتحاليل والمؤشرات ما جعل الرأي العام يصدم على محورين: محور السيد حسن نفسه الشخصي الذي كنا نتتبع تصاريحه ومواقفه قبل اطلالته الاخيرة وفي نفسنا شيء من الترقب والانتظار – وقد دفع الشخص من رصيده الشخصي اطلالته الاخيرة ليقر هو بنفسه ان ما كان يعتبره ادلة واثباتات على ضلوع اسرائيل في الاغتيال لم يكن كذلك في الواقع – ومحور قيمة المعلومات التي ادلى بها في المؤتمر الصحافي والتي بدت مرتبكة وتشد نفسها بنفسها لتقفز الى مرتبة لم تستطع الوصل اليها الا وهي مرتبة الادلة والاثباتات.
ثانيا: انطلاقا من هذا المعطى لا نفهم لماذا تفاجأت المصادر المقربة من الحزب بردة فعل فريق "14 اذار" وفي طليعتهم تيار المستقبل؟! فلو قدم السيد حسن ما يمكنه من اقناع الناس واولياء الدم بالطليعة به لما تفاعل الرأي العام بصورة مختلفة عما حصل – ولكن هل يريد "حزب الله" ان نتفاعل معه على تحاليله وان نجاريه على اوهامه او تخيلاته او في احسن الاحوال على نظرته التحليلية للامور؟
ثالثا: ان خيار الحزب لم يكن موفقا في اتهام المحكمة الدولية بالاسرائيلية والمشروع الاسرائيلي لانه بذلك وضع نفسه بتسرع كبير في مأزق تجاه الرأي العام المتعاطف والمؤيد للرئيس الشهيد وخطه الوطني والمذهبي والوطني – بحيث بات الحزب اليوم اسير اتهاماته الجزافية ضد المحكمة واسير اتهامها بالاسرائيلية ما يضعه امام حائط مسدود سرعان ما وصل اليه اليوم في ضوء طلب المدعي العام بلمار من حزب الله تسليمه المعطيات والوثائق والافلام التي عرضها في اطلالته الاعلامية الاخيرة – بحيث ان الحزب اليوم كشف نفسه اكثر من ذي قبل بكثير – امام هول الحملة والاتهامات والرفض للمحكمة الدولية دفع الحزب المدعي العام الدولي الى وضعه في الزاوية القضائية وبالتالي السياسية تجاه الراي العام اللبناني والعربي والاسلامي بمجرد الطلب منه تسليمه المعلومات ورفض الحزب ذلك الى الان .
فمعركته مع المحكمة الدولية بالتالي سقطت عند طلب بلمار من الحزب تسليمه المعلومات ورفض الحزب الى الان الاستجابة للطلب.
رابعا: المأزق الاكبر الذي وصل اليه الحزب هو في انه لا يستطيع – اقله الى الان نيل موافقة سوريا وتغطية لـ7 ايار جديد – وبالتالي قلب الطاولة وسياسية حافة الهاوية لم تعد تجدي الحزب الى الان في محاولته الهادفة الى قلب موزاين المعادلة على الارض – وقد بات الحزب عالقا سياسيا بين الانفتاح السوري على الحظيرة العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وبين استمرار خدمة المصالح الايرانية الاستراتيجية في المنطقة انطلاقا من لبنان.
وبالتالي فان الحزب تدرج في تخبطه وصولا الى المأزق المربع الاضلاع:
فلا هو يقر ويعترف بمحكمة دولية اعتبرها اسرائيلية …
ولا هو استطاع ان بيرهن اسرائيليتها الى الان بدليل تجاوب بلمار مع معلوماته وطلبها …
ولا هو يستطيع الاستمرار في سياسة حافة الهاوية ضد تيار المستقبل الى حد العودة الى لغة الشارع خصوصا ان السيد حسن الذي لا يريد التسبب بنقمة سنية عربية شاملة على الحزب إن اتهم حزبه او عناصر من حزبه باغتيال الرئيس الشهيد – كما يقول – لا يستطيع ان يسعى في المقابل الى الوصول الى النتيجة نفسها عبر التصادم مع الطائفة السنية والعالم العربي ان هو قرر مواجهة المحكمة حتى الاخر … وصولا الى 7 ايار التي سيكون مفعولها تماما ما يدعي الحزب حرصه على نجنبه من خلال توريط عناصره في الاغتيال عبر قرار اتهامي لم يصدر بعد …
ولا هو يستطيع تجاهل طلب بلمار بتسليمه المعلومات …
فمرة جديدة يتخبط الحزب باخطائه الاستراتيجية ويصل اليوم الى حد التخبيص اذا ما قرر المضي بمواجهة المحكمة الدولية بكافة الوسائل – لذلك المخرج الوحيد هو في ان يتعاون الحزب مجددا مع المحكمة الدولية والقاضي بلمار ويسلمه المعلومات والمعطياة التي اعلنها – وان يتخلى عن منطق مقاتلة المحكمة القضائية باساليب سياسية داخلية …
فكما سبق وقلنا ارض المنازلة الحقيقية هي المحكمة الدولية والمعركة القانونية والقضائية لديها … فليخوض حزب الله معركته هناك …
اما الدولة اللبنانية برئاستها الاولى ومجلس وزرائها ومجلس نوابها ومؤسساتها ورأيها العام، فليست هي المرجع الصالح لتسيير التحقيق والمحاكمات … وبالتأكيد ليست قوى 14 اذار هي المحكمة والتحقيق الدولي ولا التلفزيونات ووسائل الاعلام …