ينام اللبنانيون متوجسين وخائفين لسماعهم تهديدات بسبعين 7 أيار جديد، ويصحون على دوار وغثيان يستحكم بهم لسماعهم أخبار توقيف عملاء جدد ومن كل المستويات والطبقات الاجتماعية. ينامون على قلق على المصير ومستقبل الأجيال بسبب أخبار تتناقلها وسائل الأعلام حول احتمال وجود بعض المساعي لربط طمس الحقيقة في ما الاغتيالات التي طاولت رموزاً وأعلاماً ثقافية وإعلامية وسياسية رائدة وعلى رأسهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مقابل إبعاد شبح الفتنة المذهبية على الساحة اللبنانية. ينام اللبنانييون على يقين وثقة بأن المحكمة الدولية سوف تميط اللثام في آخر المطاف عن الحقيقة المطلوبة والمنتظرة، ويصحون على اتهامات مركزة وهادفة تكال لهذه المحكمة باعتبارها مسيسة ومنحازة وغير كفوءة. ينامون على أخبار عملاء جدد،ويصحون على نشرات تتعلق باعترافات لشهود يقرون بأنهم لعبوا دور شهود زور في التحقيقات لمصلحة بعض الأطراف ،بدافع المغريات المادية أو سواها.
والمضحك المبكي فيما خص شهود الزور هؤلاء والذين هم في غالبيتهم من ذوي السوابق الأمنية أو الجرمية، فهو إتاحة بعض وسائل الإعلام إمكانية الظهور لهم عبر شاشاتها، للكلام بكل خفه وعدم مسؤولية عن مواضيع فائقة الخطورة وتتعلق بمصير أمة ودولة وشعب. هذا مع العلم أن شاهد الزور والذي اسمه يدل على طبيعته، يمكنه أن يكذب ويزور شهادته أمام المحكمة لمصلحتك اليوم ،كما يمكنه أن يكذب عليك ويزور شهادته لمصلحة غريمك أو خصمك السياسي غداً. وكلامه وشهاداته منوطة دائماً بنسبة الضغوطات التي يتعرض لها أو المغريات المادية والمعنوية التي تقدم له.ونحن نتكلم طبعاً عن التعامل السياسي مع شهود الزور وليس عن التعامل القضائي. لأن المحكمة أي محكمة وأي قضاء محلي كان أو دولي لا يمكنه أن يتوقف طويلاً حيال هكذا شهادات جيمس بوندية وساذجة. وبالتالي تصبح مسألة ما يسمى ب"شهود الزور" مسألة محض سياسية وتتعلق مباشرة بموضوع المزايدات السياسية والتراشق الدارج بين مختلف الجهات السياسية اللبنانية.
إنما الأمر الأخطر والذي يقلق الرأي العام ويقض مضجع اللبنانيين عموماً فهو ليس موضوع "شهود الزور" بل العدد المتزايد من العملاء والجواسيس اللبنانيين العاملين لمصلحة إسرائيل. والخطورة كل الخطورة تكمن في تحول موضوع بهذه الأهمية وهذه الخطورة، إلى مادة تغذي أيضاً التراشق بين مختلف الزعماء والأحزاب، ناهيك عن الخطابات وحلقات التوك شو والجدل المتواصل على شاشات التلفزة. بالمبدأ وفي غالبية الدول والأنظمة "الجدية"والتي تحترم شعبها وأصول التعامل معه ،وحيال مسائل تخص الأمن الوطني، تتوخى الحيطة والحذر وتؤثر معالجتها عادة ضمن غرف مغلقة ،وبسرية تامة وبعيداً عن الإعلام، حفاظاً على أحاسيس الناس وحتى لا يدب الذعر في النفوس نتيجة الشعور بالانكشاف على العدو، هذا من الناحية الإنسانية، أما من الناحية الإستراتيجية، فالتكتم في التعاطي الإعلامي مع مواضيع كهذه يفرض نفسه، حتى لا يفتح المجال لحصول العدو على معلومات إضافية عبر الخطابات والشروحات التي تستفيض في سرد وتشريح وتحليل كل المعطيات المتوفرة عن شبكات التجسس والعملاء المنوطين بها. ولكن قصة العمالة وللأسف تحولت عندنا إلى مسلسلات تلفزيونية يندي لها الجبين. فاللبنانيون هم طبعاً مجروحون من ظاهرة تنامي العمالة من قبل أخوة لهم في الوطن، بل أكثر من ذلك هم يشعرون بالخجل حيال هذه الانحرافات.
ولكن وبغض النظر عن هذه المسألة الإجرائية يظل المواطن العادي حائرا ومستغربا لهذا الدرك الأخلاقي في التعاطي مع شؤون الوطن وسلامة أرضه وبنيه. وإذا كان صحيحاً بأنه خلال فترة الحرب اللبنانية ضد الوجود الفلسطيني المسلح والتي أخذت حينها شكل النزاع الطائفي، تعامل الكثيرون مع العدو الإسرائيلي تحت شعار عدو عدوي هو صديقي. ومن بعدها أيضا إبان الاحتلال الإسرائيلي تعامل بعض سكان قرى الشريط الحدودي مع العدو بسبب بعدهم ونأي الدولة المركزية عن رعاية شؤونهم. وإذا كان صحيحاً أيضاً بأنه خلال فترة الوصاية السورية أكمل بعضهم التواصل مع إسرائيل، وعلى أساس القاعدة ذاتها ، إلا أن الأسئلة ما زالت من دون أجوبة حول الأسباب الكامنة وراء التعامل اليوم مع العدو فلماذا يقوم اللبناني بهكذا عمل مشين؟
تكثر الأسئلة على السنة الموطنين حول أسباب تنامي ظاهرة الخيانة والعمالة هذه. منها أيضاً على سبيل المثال تساؤل حول طبيعة هذه الخيانة وإذا كانت محدودة بفترات زمنية وبالتالي يمكن اعتبارها طارئة على طبيعة المجتمع اللبناني،ومرحلية وترتبط فقط بأوضاع سياسية عابرة. فما الذي يفسر هذا التصرف الشمشوني عند بعض اللبنانيين؟ علي وعلى أعدائي… وهل هو سلوك ينم عن ذلك فقط؟ وإذا كان علم السوسيولوجيا كفيل ربما يوماً ما بفك لغز هذه المواقف الانتحارية عند بعض اللبنانيين، فالذي يمكن قوله اليوم هو أن ظاهرة العمالة إن تنم عن أمر فهي تنم عن نسبة اليأس والعجز وفقدان الأمل بالمستقبل. ظاهرة مرضية متفاقمة وانحراف أخلاقي من دون شك عند أفراد من هذا الشعب اللبناني الأبي، والمميز في الواقع ، والذي أدهش العالم أجمع بما أنتجه من ثقافة وعلم وفن، وبما صدره إلى المعمورة من أدمغة وكفاءات. ظاهرة يمكن تسميتها بالانتحار المقصود والمتعمد،لأن الركون إلى العدو نهايته الموت الأكيد،والهروب باتجاه التنسيق والتعامل معه كمن يهرب من الرمضاء إلى النار.