…. من الاهمية بمكان أن تتحكم العقلانية لا الانفعالية بتعاطي اللبنانيين مع المحكمة الدولية، خصوصاً أن شكوك البعض فيها لم تكن مقنعة على الاطلاق، في إطار أن هذه المحكمة أجمع عليها اللبنانيون، لأنها ستحقق العدالة، وسيكون لنتائجها فعل وضع حد لسياسة الاغتيالات في البلد.
.. والمهم أن المحكمة لم تنعقد بعد، ولا يعرف أحد مسارها، إذ لا تزال المسألة في مرحلة التحقيق والبحث، ومن غير المفهوم أن يوجه البعض إليها الاتهامات من دون معرفة مجريات المحاكمات؟
الآن، هناك بلمار المدعي العام ومعه قضاة تحقيق، والتحقيقات واستماع الشهادات مستمر ومتواصل تمهيداً لإصدار القرار الظني الاتهامي الذي لا يعني الإدانة أو البراءة، بل هو مقدمة ضرورية من الوجهة القانونية، كي يقف المتهمون أمام العدالة، وبعدها ستجري المحاكمات، ومن حيثياتها الادعاء والدفاع، وكل منهما يقدم إثباتاته، وبعد كل ذلك ستصدر المحكمة أحكامها، وعندها يتم الإعلان عن إدانة المتهمين أو براءتهم.
… كل هذا ربما لم يلفت اولئك المشككين في المحكمة، وهناك الكثير من الاخذ والرد واللغط في هذا المجال، وقد سألنا حقوقيين عما اذا كان هناك معايير لتوجيه الاتهامات الى محكمة لم تنعقد بعد، فأجابوا بأن لا معايير، وحتى أن هؤلاء لا يحق لهم اتهام لجان التحقيق والمدعي العام مهما كان شكل القرار الاتهامي الذي سيصدر، علماً ان الاتهام لا يعني الإدانة أو البراءة، فذلك كله يعود الى المحكمة بعد إجراء المحاكمات والاستماع الى الادعاء والدفاع، وقواعد الاثبات ستكون هي القاعدة لإصدار الاحكام.
.. هنا نسأل قيادة "حزب الله" – بكثير من الامانة والصدق، إذا كانت فعلاً مقتنعة بالاتهام الذي توجهه الى المحكمة – لماذا وافقت هذه القيادة على التحقيق مع بعض عناصر الحزب أو الاستماع إليهم كشهود؟
… لجنة التحقيق الدولية استمعت وحققت مع لبنانيين وسوريين أيضاً، بعضهم كشهود وبعضهم الآخر كظنيين، وبالتالي فإن المدعي العام بلمار لم يقل كلمته النهائية بعد، ولا يعرف أحد ما هو قراره الظني الاتهامي، وحتى ان إطلاق سراح الضباط الاربعة لا يعني قانونياً انهم بالمطلق أبرياء، وحتى لا يعرف إذا كانوا في موقع الإدانة، وما نعنيه هو، أن المحكمة في نتيجة الامر هي التي ستقرر انطلاقاً من قرينة الاثبات أمامها، وقد تستدعي من ترى ضرورة لاستدعائه اثناء المحاكمة، وكل ذلك متروك لحينه.
واما لجهة شهود الزور فهذه مسألة منوطة أيضاً بالمحكمة الدولية، والتي هي وحدها التي ستقرر اذا كانت شهادتهم زوراً أو كانت بناء لمعطيات، ولا بد هنا من الانتظار ليبنى على الشيء مقتضاه.
… في الاساس، فإن كل الاحتمالات واردة، ولكن من المسلم به حكماً أن لا شيء يبرر إثارة الضجيج حول المحكمة الدولية قبل انعقادها، وبالتالي، لا لزوم لتوجيه الاتهامات الى محكمة وجدت من أجل لبنان، ولا نفهم بالتالي كيف يتم مهاجمة القرار الاتهامي الظني وهو لم يصدر بعد، وإن الالتباس الكبير يتمثل بأن التشكيك في المحكمة، على ما يبدو، هو من أجل أهداف ملتبسة وخطيرة في آن، إذا أردنا ألا نقول إنه عملية لإعاقة العدالة، ولإبقاء لبنان في دائرة الجحيم.